في عصر تغير فيه مفهوم القوة في العلوم السياسية، ولم تعد تقاس فيه قوة الدولة بمقدار ما تمتلكه من ترسانة عسكرية فحسب، وفي عصر لم تستطع الدول الكبرى أن تحقق ما تريد عبر استخدام القوة الصلبة، أو الخشنة وحدها، بعد أن تكبدت مليارات الدولارات، كما لم تعد القوة العسكرية وحدها قادرة على حسم المعارك، أصبح مصطلح القوة الناعمة للدولة يحظى باهتمام كبير من قبل السياسيين والخبراء في العلوم السياسية، وفي مقدمتهم "جوزيف ناي" أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، الذي يرى أن القوة الناعمة هي "القدرة على الحصول على ما تريد، عبر الإقناع، وليس الإكراه"، وأدواتها تتمثل في الثقافة السائدة، والقدرات الإعلامية، والمؤسسات التعليمية، والإمكانات الاتصالية أو التكنولوجية للدولة، وبنيتها التحتية، ومقدار ما تنفقه على كل فرد في المجال الثقافي، فضلاً عن السياسة الخارجية للدولة.
وفي تقديري أن اعتماد أية دولة على قوتها العسكرية فقط، أياً كانت قدراتها وحداثتها، يمثل خصماً من التأييد الدولي لها ومساندة مواقفها، لذا لم تغفل القوى الكبرى تاريخياً عن الاهتمام بقوة الخطاب الإعلامي، ومحاولة كسب الرأي العام الدولي، من خلال الوصول إليه والتأثير فيه بقوة المنطق، وليس بمنطق القوة وحده، وإن كانت تملك ترسانة من الأسلحة.
ولأن قيادتنا الرشيدة في سعي دائم لأن تمتلك دولتنا كل أدوات القوة، سواء العسكرية أو الثقافية، في ظل بيئة إبداعية، جاء تأكيد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، "أن الفن بجميع ألوانه وأنواعه يعكس ثقافة الشعوب وحضارتها وتاريخها، كما يعكس صور الطبيعة والجمال والبيئة لأي بلد كان، فهو مرآة حقيقية لتقدم الشعوب وتحضرها وتناغم أفرادها، بغض النظر عن العرق أو اللون أو الجنس، فالفن ذوق وأخلاق وإبداع، أكان شعراً أم تصويراً أم نحتاً أم رسماً أم موسيقى أم غناء"، وأن دبي ترنو لأن تكون ملتقى دائماً للفن والجمال والثقافة وكل الأنشطة المتصلة بها، لأن الثقافة تشكل العامل المشترك للتلاقي والتعايش بين الشعوب كافة.

وسموه بهذا المنطق وبتلك الرؤية، هو من وجَه بتحويل محطات مترو دبي إلى أكبر ساحة متاحف عالمياً، لعرض الأعمال والإبداعات الفنية والثقافية، مؤكداً أن "الإبداع والجمال جزء أساسي من ثقافتنا وهويتنا، وجزء من نسيج الحياة لدينا".
وعندي أن الفن يرقى بالنفس، ويهذب السلوك، وينمي لدى الإنسان القيم الجمالية، التي ترتقى بمشاعره وتجعله قادراً على الاستمتاع بصور الجمال من حوله، وهو عنوان حضارة الدولة، وهو الذاكرة المرئية لتاريخ الشعوب، التي لا يطالها تزييف أو تشويه أو عبث، والشاهد تلك الأعمال الفنية التي ما زالت شاهداً عبر العصور على حضارات قامت، ولم تزل آثارها باقية تخلد أصحابها.
ويقيناً أن الفن من أهم أدوات القوة الناعمة للدولة وتأثيرها في محيطها الإقليمي والدولي. ألم تكن الدراما المصرية، سواء السينمائية أو التلفزيونية، هي العامل المهم والحاسم في نشر الثقافة المصرية ومفرداتها في البلاد العربية؟ وجعلت صناعة السينما من القاهرة هوليوود الشرق، وقبلة لكل الذين يريدون أن يعرفهم العالم العربي من المحيط إلى الخليج.
ألم يخلد متحف اللوفر، وقوس النصر، وبرج إيفل في فرنسا ثقافة شعب امتدت لأجيال متعاقبة؟ وما زال تأثير فرنسا الثقافي يسبق أي قوة عسكرية لها، وهل يمكن أن يتحدث أحد عن إيطاليا من دون أن يذكر "ليوناردو دا فينشي"؟
ورغم أنه كان يجيد مهناً عدة، إلا أن لوحاته الفنية هي التي أبقت على سيرته كونه فناناً عبقرياً، وخاصة الموناليزا، والعشاء الأخير، كما أنه مثل إحدى محطات عصر النهضة الأوروبية، بما يؤكد أن النهضة الفنية هي نتاج وملهم ومؤرخ للتقدم في مختلف مناحي الحياة، بل هي عنوان النهضة لغيرها، فلم يخبرنا التاريخ عن أمة ارتقت فنياً وتعثرت اقتصادياً واجتماعياً، ولكن على الجانب الآخر عندما تتردى حياة الناس، ينعكس ذلك أول ما ينعكس على حياتهم الثقافية بصفة عامة، والفنية على وجه الخصوص.
إن القيم التي تنشئ المجتمعات الحية، وتضمن بقاء نهضتها، ليست المادية فحسب، فالقيم غير المادية هي شريك ومكون أساس لحضارات الشعوب، ومنها القيم الجمالية، التي تعد الفنون أحد أوعيتها.
إن تنمية الحاسة الفنية يساعد الفرد على تذوق الفن والاستمتاع به، وتجعله ذا حس مرهف قادر على رؤية الجمال، وهو ما ينمي لديه ملكات إبداعية لم يكن لها أن تخرج لولا توافر بيئة إبداعية من حوله، والشعوب التي تحقق تقدماً اقتصادياً بعيداً عن الميدان الثقافي والفني واستلهام قيمه، يصبح أبناؤها آلات المصانع.
جسد بلا روح، بما ينعكس على سلوكهم في ما بينهم ومع غيرهم، كما أن الفن والثقافة هما صناعة تصديرية بالدرجة الأولى، وقد سبقا التمثيل الدبلوماسي بين الدول، فقبل افتتاح السفارات كان التواصل الثقافي والفني سباقاً بين الشعوب، كما أنه الشفرة التي تتمايز بها الشعوب عن بعضها وتتميز وتحفظ لكل شعب هويته وتراثه، لأنه منبع إلهام لا ينضب.
كما أنه ينمي في أصحابه العطاء وتأمل البيئة من حولهم، لأنه زادهم الذي يلتقطون من بين مفرداتها إبداعاته، لذا فالمثقف والفنان هما أبناء بيئتهما وفي التحام دائم مع مجتمعهما، كما أن إبداعاتهما يشاركهما في الاستمتاع بها من حولهما، وتلك قيمة أخرى.
وفي عصر زادت وتيرة تسارعه، وغلب على مفرداته التكوين المادي، تصبح رياض الثقافة والفن هي الواحة التي يجلس الفرد في ظلها الوارف، بعيداً عن هجير الحياة وصخبها الدائم، هنا تكون استراحة محارب يستعيد بها الفرد لياقته النفسية والذهنية، لكي يقدر على أن يكمل مشوار حياته، فالنفس تمل الرتابة، ومعظم القادة والمفكرين والعلماء بمختلف تخصصاتهم كان لهم، فضلاً عن إبداعاتهم في مجالاتهم الرسمية والعملية، ميدان آخر للإبداع، فمنهم الشاعر الفذ، والرسام المبدع، والروائي الملهم.
ولا شك في أن التنوع الثقافي وقبول الآخر الذي تعيشه دولتنا، يمثل إثراء للمكون الفني والثقافي، ويجعل منها جسراً ثقافياً وحضارياً بين الشرق والغرب، ورصيداً نوعياً يضيف إلى قوتنا قوة.