تخيّل أنك تدخل مباراة شطرنج أمام خصمٍ متمرّس وفي بطولة تتابعها الدنيا من حولك، وما أن تأخذ مقعدك حتى تكتشف أن أغلب قطع الشطرنج الخاصة بك قد تم سحبها ولم يعد لديك إلا مجموعة من البيادق فقط، بينما خصمك مكتمل الصفوف والقطع وينظر ناحيتك واثقاً وعلى وجهه ترتسمُ ابتسامة صفراء.
هي دون فلسفة أو محاولة إثبات مباراةٌ غير متكافئة ولا يمكن أن تمر ببالك أيّة نتيجة أخرى سوى الخسارة، فأيام المعجزات قد انتهت والدنيا تقوم على مبادئ بسيطة مَنْ فَطِنَ لها استقامت أموره ومن غفل فلا يلومنّ إلا نفسه، ففي أي معترك أو منافسة لا بد أن تلاحظ أدواتك التي بين بيديك ثم قارنها بمنافسيك قبل أن تضع نفسك في موضع تنافسٍ معهم، فاكتمال الـُممكنات هو ما يجعل الإنسان على مستوى مماثل مع نظرائه، أما محاولة التسابق مع من اكتملت قدراته ونضجت تجربته دون وجود ما يكفي بين يديك من الوسائل أو الحلول فلا يعدو أن يكون انتحاراً طوعياً فوق أنه محاولة بائسة لاجترار المعجزات في عالمٍ لا يؤمن إلا بأن الأكثر استعداداً والأعلى جاهزية والأكبر تكاملاً هو من تدين له النتائج وتنحاز له الخواتيم.
أقول ذلك وأنا أنظر لأمرٍ بدأ يتفشّى ولن تكون عُقباه جيدة إطلاقاً، والسكوت عنه هو أشبه بتغافل سكان مدينة بومبي الرومانية القديمة عن اضطرابات جبل فيزوف قبل أن يُفاجئهم ذات يوم ويطمر مدينتهم عن بكرة أبيها بل ويتعدى ذلك لطمر مدينة هيركولنيوم المجاورة ويدفن سكان المدينتين تحت ستة أمتارٍ من الرماد، وما كان ذلك ليحدث لو أنّ أحداً أخذ الأمور المريبة بشكلٍ جدّي دون استهانة أو تحامل على رأي طرفٍ "لا يدخل لنا من زور".
إن نظرة تفحصيّة لكثيرٍ من المؤسسات العامة تجعلنا نستغرب من كمّ القوى العاملة متدنية الكفاءة التي بدأت تكتسح مستويات الهياكل التنظيمية المختلفة، فحيثما نظرت وجدت موهوباً وحوله العشرات من متواضعي القدرات والذين تم تعيينهم بطُرُقٍ لا دخل لها بالكفاءات وإنما بالمحاباة و"الميانة" وتحويل الإدارات إلى فرع آخر للعائلة، والتي على أكتافها تتحول مقابلات التوظيف إلى تمثيليات وشكليات لأجل التمرير فقط، ثم تكون المأساة الأخرى عندما ترى الترقيات تنهالّ عليهم بشكل دوري متسارع بينما تكون المبررات لترقياتهم ما تم اعتياد كتابته: "نظراً لكفاءته العالية وإنجازاته الكبيرة وحرصاً من المؤسسة على الحفاظ على موظفيها المميزين"، ولو نظرنا للواقع الفعلي فلن نجد له إنجازاً واحداً سوى صِفر كبير يلمع كلمعان "صنقحة قحطة" في مسلسل درب الزلق.

من يقوم بتعيين متواضعي القدرات ويملأ بهم المؤسسات تحت شعار التوطين هو في الحقيقة من يسيء للوطن عندما يغمط المواطن الموهوب حقه من جانب ويتسبّب بتردّي خدمات المؤسسة للمجتمع مع هؤلاء الأصدقاء وأبناء العمّ من جانبٍ آخر، حينها لو أتينا بجاك ويلش ـــ أعظم رئيس تنفيذي في القرن العشرين ـــ فلن يستطيع عمل شيء وهو لا يجد بين يديه سوى موظفين من ذوي القدرات المتواضعة أو المتوسطة على أحسن الاحتمالات.
فحتى أعظم الاستراتيجيات وأكثر الخطط تكاملاً لا تنفع إطلاقاً إن لم يكن لديك نوعية من الموظفين عالية القدرات وفوق ذلك كبيرة العدد، قادرة على تحويل تلك الخطط إلى واقعٍ فعلي بكفاءة، أما بمؤسسات يكثر بها من يكتب "لاكن" و"هاذا" ولا يعرف من الإطلاع سوى الملاحق الرياضية ومجلات الأزياء وصفحات الأبراج والحظ، فلن تذهب للأمام مهما أتاها قائدٌ مُلهم، فلا كبير نفع من أسدٍ يقود قطيعاً من الأرانب المذعورة، ولن يستطيع سيباستيان فيتيل بطل العالم في سباقات الفورمولا الفوز إنْ اكتشف عندما جلس بمقعده أنّ محرك سيارته الجبّار قد تم استبداله بمحرك سوزوكي بأربعة سلندرات.
المستقبل لن يكون رحيماً بالنائمين في العسل، ومجرد كراهيتنا لسماع بعض الحقائق المزعجة لن يُلغِ هذه الحقائق كما لن يَحُلّها بالتأكيد، وبما أنّ مثلنا القديم يقول: "كَفٍ صفعني نفعني" فإنّه من المهم أن نتقبّل هذه الحقائق تقبّلنا للدواء الـمُر من أجل أن نتعافى، فكثيرٌ من مؤسساتنا تحتاج لمراجعةٍ شاملة فيما يخص مستويات الموظفين بها وتحديداً من يشغل المناصب الإدارية في المستويات العليا والوسطى.
فما لم يتم غربلة هذه الوظائف والتـأكد من أنّ الأفضل هو من يشغل المكان فلن يكون بمقدور المؤسسات أن تنافس الآخرين ولا أن تفي بتطلعات المجتمع المحلي ولا طموحات قيادته الرشيدة، وكم هو مؤلم أن ترى مؤسساتٍ متألقة في بلادنا وقد تعاقدت مع مقتنصي كفاءات أو صائدي رؤوس Head Hunters بينما نجد مؤسسات أخرى همّها "تطيير" الرؤوس التي تحمل فكراً وموهبة من أجل أن تملأ مكاتبها بالمعارف و"الربع" وشركائهم في "خَبص الورقة" في جلسات السَمَر، وممن لا يشكل وجودهم تهديداً مستقبلياً على السيد المدير أو رئيس القسم!
لن يتغير المستقبل ما لم نغيّر الحاضر، ولن تختلف النتائج إن لم تختلف المدخلات ونوعيتها، فالحياة وفلسفتها بسيطة ولا تحتاج لِـخُطَب وكتب لإيضاحها، فإن زرعتَ بصلاً فلا تنتظر محصول فراولة وإن تركتَ منزلك دون سقف فلا تظنّ الشمس ستستحي منك وتزيح أشعتها اللاهبة عن رأسك، فكل نتيجة كبيرة تحتاج عملاً وفكراً واستعداداً أكبر، وأول خطوة في النجاح هي الصدق مع النفس واختبار مصداقية النقد الذي يصل للمسامع، ففي علم مصطلح الجرح والتعديل قاعدةُ تقول "إنّ مع الجارح زيادة عِلم"، ومن ينتقد لا ينتقد شخصاً ولكن ينتقد سلوك ذلك الشخص وما سيجرّه سلوكه مستقبلاً من تداعيات سيئة، فالمصفقون وأصحاب مقولة "الأمور كلها طيبة" لن يفيدوا لاعب الشطرنج عندما تخذله بيادقه البائسة.