العمق الاستراتيجي العربي لا بد أن يمر من بوابة القاهرة. وتاريخياً ثبت أن الفترات التي تكون فيها وتيرة التفاهم الخليجي المصري عالية، يكون الوضع السياسي العربي مستقراً، لأن هناك صمام أمان يقوده هذا التفاهم.

ومن يراجع التاريخ السياسي الحديث، يجد أن فترة خروج مصر من المنظومة العربية بعد اتفاقيات كامب ديفيد، كانت فترة تراجع للسياسة الواقعية في المنطقة، وأعطت فرصة لوجود سياسات ثورية انفعالية، حاربت بالكلمة والخطاب وولدت خطاً سياسياً انتهازياً تحت مسميات ضخمة وأدوار ضحلة (من منا يتذكر جبهة الصمود والتصدي!). وهذا الفكر هو الذي رسخ فيما بعد لزعامات سياسية تعيش الوهم، وورطت العرب في حروب ومغامرات دفعت الشعوب العربية ثمنها غالياً.

التكامل الخليجي المصري لعب أدواراً أساسية، فمنذ الإطاحة بشاه إيران عام 1979، كان العمق المصري استراتيجياً في وجود توازن أساسي بين ضفتي الخليج. ودور مصر في الخريطة السياسية العربية كان قيادياً منذ 1954، وظلت محوراً أساسياً للحركة السياسية والثقافية في العالم العربي.

الواقع العربي الحالي يكشف عن فراغ سياسي ضخم، نتيجة الثورات العربية والتوسع الإيراني المبرمج في المنطقة، والخلل الموجود داخل منظومة مجلس التعاون الخليجي من خلال تغريد قطر خارج السرب الخليجي، الأمر الذي أضعف المنظومة الخليجية ككل.

ومن جانب آخر، هناك إحساس بانسحاب أميركي من التزاماتها تجاه منطقة الشرق الأوسط، أو تغير في أولوياتها. فالولايات المتحدة تتجه سياسياً بقوة تجاه منطقة جنوب شرقي آسيا، واقتصادياً تجد نفسها منجذبة تجاه المارد الضخم المنطلق؛ الصين. ويعرف عن السياسية الأميركية، نهجها البراغماتي الذي يعتمد على المصلحة والمنفعة، وليس المبدأ.

ويفرض التراجع الأميركي في المنطقة معطيات جديدة تغير كثيراً من قواعد اللعبة، كما أن هناك عاملاً مهماً وهو تقلص الاعتماد الأميركي على النفط العربي، في ظل وجود موارد جديدة كالغاز الصخري واكتشافات هائلة لحقول نفظ في أميركا الجنوبية.

والمؤشرات عديدة التي تكشف هذا التراجع، سواء في التخبط الأميركي في العراق والذي أفرز وضعاً مشوهاً وممسوخاً للنظام السياسي هناك، أو التردد الأميركي في أزمة سوريا والمواقف المتضاربة تجاه الأحداث في مصر. وكل هذه المؤشرات أعطت رسالة واضحة لدول المنطقة بأن الترتيبات السابقة لم تعد على حالها، وبالتالي لا بد من مبادرات استراتيجية لملء الفراغات الواضحة في المنطقة.

وتمتد علاقات دول الخليج بمصر عبر تاريخ طويل تفرضه الجغرافيا، فمصر والسعودية تتشاركان في الإطلالة على البحر الأحمر، وقناة السويس تعد شرياناً حيوياً لدول الخليج من خلال مرور ثلثي نفط الخليج عبرها. وهناك امتزاج شعبي قوي بين دول الخليج ومصر، كما أن هناك نحو ثلاثة ملايين مصري يعملون في دول الخليج، ويمثلون رافداً اقتصادياً مهماً من خلال تحويلات العملة إلى مصر.

وتحسب لدول الخليج وقفتها مع مصر بعد ثورة 30 يونيو، والدعم الاقتصادي لمصر التي كانت تمر بلحظة حرجة في تاريخها الحديث، وتشعر شرائح كثيرة من الشعب المصري بالامتنان للوقفة الخليجية. وكان خطاب العاهل السعودي خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز تجاه ثورة 30 يونيو، مفصلاً استراتيجياً في دعم مصر، وبمثابة عودة التضامن العربي، بل وساهم في تطوير مواقف دول كبيرة ومؤثرة في الساحة الدولية. وأثبتت مواقف دول الخليج صحة وسرعة القرار السياسي الخليجي، خاصة في مواقف السعودية والإمارات.

مستقبل المنطقة يمر بمرحلة مخاض، والتفاهم الخليجي المصري يفتح بوابة أمل جديدة في المنطقة. وهذا يتطلب مبادرات كبيرة من الطرفين، وربط مصالحهما بحيث يكون الترابط استراتيجياً على كافة الأوجه، خاصة في الجانب الاقتصادي.

الخليج باستقراره السياسي ووضعه الاقتصادي وتأثيره الدولي، ومصر بما لديها من عمق ديمغرافي ووزن سياسي وعسكري، يعطيان الأرضية المناسبة لعلاقة تكاملية بين دول الخليج ومصر، وضماناً لتوازن القوى الإقليمي في المنطقة. وهذا يتطلب تطوير التعاون والتنسيق بينهم إلى عمل مؤسسي وشعبي، يقوده بالإضافة للحكومات، قطاع رجال الأعمال ومؤسسات المجتمع المدني ورجال الإعلام والمثقفون.

كما أن إيجاد نظام مؤسسي يربط بين دول مجلس التعاون ومصر، مطلب مهم بحيث يتطور العمل الثنائي إلى عمل جماعي منظم، ضمن تطوير أدوات العمل السياسي الذي تحتاجه المنطقة، فلا يمكن أن نحل مشاكلنا الحالية بنفس أساليبنا القديمة.