عن اليهود الناجين من الصهيونية

بعض المفكرين والأكاديميين والصحفيين وصناع الرأي في إسرائيل، يشتكون من فتور جيل اليهود الشبان تجاه الخطاب الصهيوني التقليدي.

يقول هؤلاء بشيء من الأسى والألم بأن نسبة كبيرة من مواطنيهم اليهود تحت سن الثلاثين، ما عادوا يصغون ملياً لمقولات من قبيل قداسة "أرض الميعاد" والحنين لسكناها والعمل والتجذر فيها والدفاع عنها، كما أنهم لا يبدون إقبالاً على فكرة طهرانية اليهود وعدم قابليتهم للفساد والانحراف الأخلاقي والروحي وتميزهم في معظم الخصال والسجايا عما عداهم من الأغراب (الجوييم)..

ومما يقال ويتردد في هذا السياق أيضاً، أن زهاء 40% من أبناء هذه الشريحة، يتحينون الفرص لمغادرة البلاد نهائيا الى عالم الغرب بشطريه الأوروبي والأميركي.

لسنا هنا بصدد ظاهرة عابرة أو مرحلية استثنائية. هناك مؤشرات على مظاهر العزوف عن الصورة المثالية للمستوطن اليهودي، الذي يحمل الفأس والبندقية، منذ فترة ليست بالقصيرة.

فقبل نحو عقدين، أثبتت نتائج بحث ميداني أن الإقبال على استيطان الأرض المحتلة عام 1967 لا يستند في حالات كثيرة الى قناعات بالمزاعم الصهيونية القحة حول أحقية اليهود في تملك أي بقعة من أرض إسرائيل الكبرى، وإنما الى عملية حسابية دنيوية انتهازية؛ تلعب فيها الإغراءات الاقتصادية دورا كبيرا إن لم يكن حاسماً.. فكثير من المستوطنين لا يتطلعون الى ارضاء الرواية التاريخية التي تبثها الصهيونية، بل الى التمتع بأثمان الشقق الزهيدة ووفرة الحوافز والخدمات الحكومية التفضيلية للاستيطان.

ولأن كثيراً من المستوطنين يمتلكون بالفعل شققاً وعملاً داخل اسرائيل، فقد شبه باحث اسرائيلي بعض مستوطنات الضفة بأنها مجرد منتجعات سياحية لقضاء الإجازات، فضلاً عن "..ادخارها للحصول علي تعويضات مجزية إذا ما أجبر المستوطنون على إخلائها ذات حين، تحت ضغوط أمنية أو سياسية لا يمكن استبعادها".

ونحسب أن تجربة تعويض مستوطني غزة عند إجلائهم عام 2005 أكدت صدقية هذا التصور.

في تقرير حديث، يقول آري شبيط (هآرتس 6/3/2014) "إنه بينما كان بنيامين نتانياهو يتحدث في زيارته الأخيرة لواشنطن عن الأخطار التي تواجه اسرائيل، كان جيل الشباب اليهودي الأميركي بعيدا كل البعد عن التعاطف معه. فهذا الجيل مهادن وليبرالي؛ رافض تماما لاحتلال أراضي الغير ويكره استعمال القوة والعدوان على حقوق الإنسان، وهو مشدود الى حياة الليل.

كما أن الطلاب اليهود في جامعات هارفارد وكولومبيا وستانفورد يرون اسرائيل الرسمية تجعل من الصعب عليهم أن يحبوها". ويعتقد شبيط أن نتانياهو لا يعلم أين توجد أميركا الجديدة، ولا أين يوجد اليهود الشبان، وهو لا يهتم بما يجري في الجامعات التي تعلم هو نفسه فيها.

الواقع الداخلي الاسرائيلي يفصح بدوره عن تجليات لا تخلو من دلالات سلبية فهناك أولاً، الرسالة التي بعث بها شبان اسرائيليون الى نتانياهو، مؤكدين فيها عزمهم علي رفض التجنيد في الجيش، بسبب استمرار الاحتلال والنزعات الشوفينية وتفشي العنف والعسكرة وعدم المساواة والعنصرية، التي تتأتى من تعاظم دور العسكر في الحياة المدنية.

وهناك ثانياً، التظاهرات الحاشدة للشبان الحريديم (المتشددين دينيا)، الرافضين لتطبيق الخدمة العسكرية الإلزامية عليهم، والمنادين بديمومة السماح لهم بالتفرغ لدراسة تعاليم التوراة !

والحال على هذا النحو، من ازورار الشباب اليهودي المتواتر، داخل اسرائيل وخارجها، عن التعاطف مع الأبعاد العدوانية للصهيونية، والتمرد الملحوظ علي ميراث الصهاينة الأوائل، فضلاً عن انتشار العقلية النفعية المادية بينهم الى حد البحث عن أعذار للتهرب من التجنيد والانخراط في مافيات الجريمة المنظمة والتعلق بفكرة الهجرة المضادة.

وهي ظواهر ومعطيات قابلة للتفاقم، ترى على أي شيء يستند خطاب التشدد السياسي والعسكري الاسرائيلي الرسمي، وعلى أي جيل يراهن نتانياهو وحواريوه، وهم يتفننون في عرقلة جهود التسوية الفلسطينية، ويصمون آذانهم عن التعاطي مع نخبة فلسطينية، ذات مرجعية عربية، تتحدث عن هذه التسوية كهدف استراتيجي لها؟..

ومن الخاسر في الأجل الطويل إذا ما قدر لنتانياهو النجاح في تمرير ألاعيبه الشيطانية، ووصلت نخبة السلام الفلسطينية الى قناعة تامة بأنها كمن يحرث في قاع البحر؟!

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات