من المسؤول عن خلق ذهنية اجتماعية مشوشة وشيوع ثقافة مجتمعية سلبية بين جيل الشباب؟ من المسؤول عن انتشار روح التعصب الأعمى لفكرة أو عقيدة أو رمز أو قضية أو حتى عرق اجتماعي ؟ من هو المسؤول عن انتشار ذلك التطرف والتشدد الأعمى الذي يهدد بأن يأكل في طريقه الأخضر واليابس ؟
الإجابة تكمن في الثقافة الاجتماعية التي نساهم نحن في صنعها وفي تلقينها لشبابنا. فهي التي تلعب دورا مهما في التأثير على مواقفنا وردود أفعالنا وفي صنع اتجاهاتنا الفكرية وربما حتى اتجاهاتنا العقائدية وفي علاقتنا مع الآخر. ولا شك أن للثقافة الاجتماعية أوجهاً إيجابية وأخرى سلبية.
ونظرة على الثقافة الاجتماعية السائدة في العالم العربي اليوم تؤكد ذلك. فالثقافة الاجتماعية العربية السلبية يغلب عليها التعصب والعاطفة الجياشة التي تساهم في اتخاذ قرارات متسرعة. الوجه الآخر لثقافتنا الاجتماعية هي تغليب النزعات الفئوية العنصرية التي تجعل من الفرد إنسان لا يرى سوى نفسه ومصلحته.
ولا شك أن بعض من هذه العناصر مشتقة من ثقافتنا القديمة المعتمدة على الرغبة في الدفاع عن النفس ضد الأخطار المتوقعة وبالتالي يضطر الفرد لأن ينام وعيناه مفتوحتان. والثقافة الاجتماعية نقصد بها القيم في مجملها والتي نورثها لأبنائنا، وهي تلك التي تحكم تصرفاتهم ومواقفهم وتؤثر في صنع تجربتهم الحياتية ورسم ملامح اتجاهاتهم الفكرية وردود أفعالهم.
ثقافتنا الاجتماعية السلبية تقوم على ثلاثة محددات يساهم كل جيل من الأجيال بوضع لبنة فيها. أول تلك المحددات تكمن في أن ثقافتنا العربية تعتمد اعتمادا كبيرا على تقديس الرموز. فنحن العرب أمة تقدس ماضيها وتقدس الزعماء والأنساب، وبالتالي لا نقتنع بأن تلك الرموز معرضة لارتكاب أي خطأ أو هفوة.
هذا التقديس الذي أوصلناه الى الأبناء يمنعهم اليوم من إعمال العقل في تفسير أو شرح أو حتى فهم إنجازات وبطولات تلك الرموز بل في الكثير من الأحيان يستخدمون تفاسيرنا نحن في سبغ صبغة جديدة على كل الرموز الماضية والمعاصرة.
هذا التقديس يساهم اليوم ليس في دفع الأجيال الجديدة التي ورثت هذا التقديس المزيف الى الفرار من قوقعة التقديس تلك والانطلاق نحو فضاء الحرية غير المقيد بأي فكرة أو عقيدة مسبقة، بل الى الانغماس اكثر في قوقعة التقديس، ذلك الأمر الذي ينتج عنه سلبيات مجتمعية عديدة.
محدد ثان يؤطر ثقافتنا الاجتماعية ويؤثر على الأجيال القادمة هو عدم قدرتنا على الاعتراف بالخطأ خوفاً من أن ننعت بالضعف والجبن.
فنحن العرب شعوب تمجد الشجاعة والبطولة أي كان ميدانها وترفض الاعتراف بالضعف أو الهزيمة على الرغم من اقتناعنا التام بأن الاعتراف بالحق فضيلة. نحن نورث هذا الشيء لأبنائنا الذين نعلمهم منذ نعومة أظافرهم بأن لا شيء يجب أن يسعوا له سوى النصر والفوز حتى ولو كان هذا النصر على حساب الآخرين.
وعلى الرغم من إيجابية هذا العنصر إلا أنه يخلف آثارا مجتمعية سلبية كثيرة. فقدرات الإنسان تتفاوت من شخص لأخر، وليس كل إنسان قادرا على التفوق وإحراز الفوز في مجاله، الأمر الذي ينتج عنه نتائج نفسية كثيرة.
فمثلاً نؤهل أبناءنا منذ نعومة أظافرهم للتفوق المدرسي ثم المهني ثم الاقتصادي والاجتماعي أو الأدبي ونسعى لدفعهم لمجالات ربما لا تناسبهم، ونفتخر نحن بإنجازاتهم اكثر مما يودون هم الافتخار بتلك الإنجازات. هذا الضغط يخلق منهم أشخاصاً ربما ناجحين اجتماعيا واقتصاديا ولكنهم فاشلون نفسيا.
المحدد الثالث الذي يؤطر ثقافتنا الاجتماعية السلبية هو التعصب لفكرة أو عقيدة أو عرق. هذا التعصب الذي نورثه للأبناء، وهو في الواقع مبني على رؤى تخصنا نحن ولا علاقة لأبنائنا به، ولكننا نستميت لكي نقنع أبناءنا بأن يحذوا حذونا ونقنعهم بأنه لا يمكن لنا تقبل تصرفاتهم إن لم يسيروا طبقا لآرائنا.
نحن نربي أبناءنا لكي يصبحوا في النهاية نسخة منا ولا يكونوا ما يؤمنون به. لذا، فلا يجب أن نستغرب إذا ما وجدنا أبناءنا أشد تعصبا منا لفكرة أو عقيدة أو عرق لأننا ربيناهم ليكملوا طريقنا.
هذا الوجه السلبي لثقافتنا الاجتماعية، التي لها الكثير من الوجوه الإيجابية، هو الذي يجعل بعض شبابنا اليوم فريسة سهلة للوقوع في براثن أفكار ورؤى متعصبة وتجعلهم لقمة سائغة لأولئك المتشددين والذين يستغلون الشباب في تنفيذ أجندات خاصة بهم.
تغيير هذه الثقافة ليس سهلاً، ولكنه أيضاً ليس مستحيلاً. ويحتاج الى وقت ولكنه قابل للتغير إذا ما تبنينا أفكاراً اجتماعية إيجابية وأدخلناها في التنشئة الأسرية.