ما وراء سحب السفراء

تلجأ الدول عادة إلى سحب سفرائها للإعلان عن احتجاجها على مواقف تم اتخاذها من دولة تعتبرها الدولة التي تسحب سفيرها منها بأنها مواقف مناوئة لها ولمصالحها. وهذا حال الموقف الذي اتخذته كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين تجاه دولة قطر.

فهذه الدول اعتبرت أن قطر قامت ببعض الإجراءات التي تقوض مصلحتها الوطنية، فما كان أمامها إلا أن تتخذ إجراء سحب سفرائها من الدوحة لاسيما بعد أن باءت بالفشل جميع الجهود الدبلوماسية التي بُذلت لتجنب هذه الخطوة.

مع هذه الخطوة دارت هناك أحاديث كثيرة عن السبب وراء هذا التحرك، فهناك من يبرر هذه الخطوة، وهناك من ينتقدها، وهناك من لم يبن موقفاً بعد، وآخر حاول أن يربطها بأمور ليست جوهرية بالنسبة لها. ولعلنا كمتخصصين في الشأن الخليجي ولاسيما في جانبه السياسي علينا توضيح هذا الأمر بشكل يُسهل على القارئ أن يفهم هذه الخطوة.

لا أحد ينكر على أية دولة حقها في أن تتبع السياسات التي تراها مناسبةً لها في سبيل تحقيق مصالحها، ولكن لا أحد يستطيع أن ينكر ايضاً أن هناك أسسا دولية فرضتها المواثيق الدولية منذ قيام نظام وستفاليا في عام 1648 على جميع الدول الالتزام بها وهي احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية وعدم تقويض أمنها واستقرارها.

هذه أسس دولية لها الصبغة العالمية في الاحترام، ولا جدال حولها؛ وإذا ما تم انتهاكها فللدول الحق في الرد.

ولنفهم هذا الأمر وربطه بالحالة الخليجية علينا أولاً وقبل كل شيء أن نفهم الأساس الذي تقوم عليه دول الخليج العربية.

إن دول الخليج المنضوية تحت غطاء منظومة مجلس التعاون الخليجي جميعها دول تتبع النظام المحافظ كأساس لاستمرار كينونتها منذ ما قبل بروزها ككيانات سياسية مستقلة. لذلك فإن أي مساس ببيئة النظام المحافظ هو تهديد مباشر أو غير مباشر لأمن دول الخليج العربية.

فدول الخليج العربية بشكلها الحالي هي دول محافظة سياسياً واجتماعياً على أقل تقدير وهو ما استطاع أن يوفر لها الأمن والاستقرار طوال تاريخها السياسي.

وبالتالي فإن ضرب البنية المحافظة لدول المنطقة هو ضرب لاستمرارية الدولة الخليجية بشكله الحالي والقائم منذ قرون.

والمعروف لدينا كمتخصصين أن هناك مجموعة من التهديدات التي تأتي في مواجهة الأنظمة المحافظة والتي تعمل على تقويض المحافظة في سبيل تغيرها لنهج ونظام آخر ومختلف.

ولعل من أهم تلك التهديدات هي الليبرالية السياسية والفكر السياسي الإسلامي لجماعة الإخوان المسلمين ومن يدور في فلك فكرهم السياسي.

فالليبرالية السياسية تدعو إلى إدخال مجموعة من الممارسات السياسية الجديدة التي من شأنها أن تقوض بعض أهم عناصر الفكر السياسي المحافظ القائم في المنطقة الخليجية والتي من شأنها أن تُنهي الفكر السياسي المحافظ في المنطقة الخليجية أو تضعفه لصالح فكر سياسي ليبرالي.

أما عن الفكر السياسي للإخوان المسلمين ومن يدور في فلكهم فهو من جهته مُقوض للنظام المحافظ لأنه فكر يدعو إلى إنهاء الدولة الوطنية في مقابل إقامة الدولة الإسلامية من الشرق إلى الغرب تحت لواء راية السمع والطاعة للمرشد الأعلى للإخوان المسلمين.

هذان الفكران يمثلان تهديداً واضحاً وخطيراً للفكر المحافظ القائم في المنطقة الخليجية والذي استطاع هذا الأخير أن يحقق الكثير من الإنجازات لدول وشعوب الخليج على مختلف الصعد، ولاسيما نجاحه في تحقيق الأمن والاستقرار والتجانس الاجتماعي بين أفراد المجتمع في الدول الخليجية المحافظة.

وعليه فإن كل من يدعم هذين الفكرين للعمل في أية دولة خليجية إنما يتدخل في شؤون تلك الدولة الداخلية ويُقوض نظامها القائم ويهدد أمنها واستقرارها.

لذلك ليس من المستغرب على الإطلاق أن تجد دولا مثل السعودية والإمارات والبحرين تسحب سفراءها من قطر احتجاجا منها على أنها لا يمكن أن ترضى بما يحدث من دعم للإخوان المسلمين في الدول الخليجية تلك من قبل قطر، وإن كان ذلك الدعم محدود وبسيط كما يدعي البعض.

ولعلنا كأكاديميين متخصصين في الشأن السياسي الخليجي نعتقد بأن الممارسة الداعمة للإخوان المسلمين أو للفكر السياسي الليبرالي في المنطقة الخليجية سُيلقي بظلاله على المنطقة الخليجية وسيُهدد بُنيان النظام المحافظ فيها، وهذا ما لا يمكن أن يصب في صالح أية دولة خليجية مهما كانت بما في ذلك قطر ذاتها الذي سيشكل نجاح المشروع الإخواني نهاية للدولة الوطنية فيها، إلا إذا ما ارتضت هي ذاتها لنفسها ذلك، وهو ما نشك فيه.

 فالعقلانية هي في المحافظة على النظام المحافظ القائم في المنطقة الخليجية من خلال عمل جميع الدول على تحقيق ذلك الهدف وليس العمل على تقويضه بأي شكل ما كان.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات