السياسة القطرية عزف منفرد نحو الخلاف والاختلاف

تسير السياسة الخارجية القطرية دون توطئة، في الاتجاه المعاكس لسياسات وتوجهات دول الخليج، بعد أن بات الاختلاف الذي تمارسه وتصرّ عليه، يجرّ إلى الخلاف، والخروج عن مقررات، واتفاقيات، ومصالح، وأمن منظومة مجلس التعاون، الذي تأسس على وحدة الهدف والمصير المشترك.

وتكاد تلك السياسة القطرية، المتأرجحة في كفتي ميزان، تارة يميناً وتارةً شمالاً، تتناسى بإصرار متعمد، أن من قواعد السلوك العامة أن تنتهي حريتك عندما تصل إلى حد الإضرار بالآخرين، لكن من يرصد ويتابع تلك السياسة، يرى دون جدال أنها ارتقت بشكل مبالغ فيه، إلى نقاط تماس وصلت إلى حد التحريض، والعمل الأمني المباشر الذي يمسّ بيتنا وبنياننا الخليجي.

منذ نوفمبر الماضي، ودول مجلس التعاون الخمس، تراقب التزام دولة قطر بالاتفاق الذي وقّع عليه في العاصمة السعودية الرياض، الأمير تميم بن حمد آل ثاني، والتزم به، بحضور أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح، ذلك الاتفاق الذي تشير بنوده إلى التزام كافة دول المجلس بعدم احتواء المعارضين، أو تجنيسهم، أو تمكينهم من الظهور عبر منابر إعلامية خليجية، والتوقف عن دعم الإخوان المسلمين.. إلا أن الأيام مرّت من دون ترجمة أو إجراءات عملية قطرية، تدل على الالتزام.

ذاك العزف المنفرد، الذي استمر غير آبه بعواقبه على الآخرين، استدعى لجوء دولة الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، ومملكة البحرين، إلى خطوة سحب السفراء، بعدما تعاقبت الأيام دون التزام قطري بتنفيذ بنود الاتفاق، وبعدما وصل الجرح إلى العظم، وبعد أن لم تُجد كل المحاولات والإشارات، تلميحاً وتصريحاً ونصحاً، وبعدما وصل الصبر بالأطراف الثلاثة إلى قمة الصبر.

لم يتخذ القرار فجأة، ولم يكن مفاجأة، كما ادّعى القطريون في بيانهم الذي صدر عن مجلس وزرائهم، لكنه جاء بعد غيوم ملبّدة، وبرق ورعد، وصبر محمود، وإشارات أصبحت واضحة، من قبل الأطراف الثلاثة.

جاء القرار بعد أن فشلت كافة الجهود في إقناع قطر بضرورة الالتزام بالمبادئ التي تكفل عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي من دول المجلس، بشكل مباشر أو غير مباشر، وعدم دعم كل من يعمل على تهديد أمن واستقرار دول المجلس، من منظمات أو أفراد، سواء عن طريق العمل الأمني المباشر، أو عن طريق محاولة التأثير السياسي، وعدم دعم الإعلام المعادي.

وعندما نقول نفد الصبر، فإنــنا نتحدث عــن صــبر طــويل لدول تملك الحكمة والروية، ونتحدث عن سلــوك تعمل الدوحة باستماتة على ممارسته، والمضي فيه دون خجل، حتى بعد توقيــعها عـلى اتفاق الرياض، فهي أصرت على احتضان أشخاص اعتلوا قنواتها الرسمية طواعية، وهاجموا نظام الحكم في السعودية والإمارات، أمثال شيخ الفتنة الإخواني يوسف القرضاوي.

كما أن أراضيها ما زالت تحتضن الكثير من المنظمات الدوليــة ذات النهج المعادي، مثل منظمة "أكاديمية التغيير" التي تعنى بالتدريب حول إثارة "الفوضى الخلاقة"، والتي يترأسها المدعو هشام مرسي، زوج بنت القرضاوي، وكان لها دور في أحداث البحرين، ما يعني تدخلاً سافراً في شأننا الخليجي.

لقد دأبت قطر على تقديم الدعم اللوجستي والمالي للحوثيين في اليمن، واستقطاب الرموز الإخوانية في السعودية، ومدّ يد العون للإرهابيين الذين عملوا على تغيير نظام الحكم في الإمارات، وكأنها تقول: اذهبوا أنتم وربكم فقاتلوا إنا ها هنا قاعدون!

وعندما تحدثت الصحف القطرية عن استبدال مسودّة قرار لتنفيذ اتفاق المبادئ الذي أعدته دولة الكويت، رئيسة القمة الخليجية حالياً، بآلية وضعتها المملكة العربية السعودية دون التشاور مع بقية الدول الخليجية، فإنها لم تصب كبد الحقيقة، ففي الاجتماع الذي عقد في الكويت يوم 17 فبراير الماضي، بحضور الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت.

والشيخ تميم بن حمد أمير دولة قطر، ووزراء خارجية دول المجلس، تم الاتفاق على أن يقوم وزراء خارجية دول المجلس بوضع آلية لمراقبة تنفيذ اتفاق الرياض، الذي وقّعته الدول الثلاث وصادقت عليه بقية دول المجلس، ما يعني أنه ملزم.

 وتلا ذلك اجتماع وزراء خارجية دول المجلس في الرياض يوم 4 مارس، وتم خلاله بذل محاولات كبيرة لإقناع دولة قطر بأهمية اتخاذ الإجراءات اللازمة لوضع اتفاق الرياض موضع التنفيذ، والموافقة على آلية لمراقبة التنفيذ، إلا أن قطر لم تلتزم بتلك الإجراءات.

تلك الحقائق تؤكد أن هناك حرصا من قبل دول المجلس على ضرورة التزام دولة قطر بكامل سياساته، والواقع أن هذا الحرص والإصرار الخليجي، يأتي بعد السلوك القطري الذي يوافق داخل الجلسات المغلقة على بنود الاتفاقات الخليجية، بينما الممارسات السياسية في خارج الجلسات غالبا ما تكون مخالفة، ولا تتفق ومبادئ مجلس التعاون الخليجي.

نتمنى ألا يكون خلق الأزمات تقليداً ثابتا في السياسة القطرية، فمن حق دولنا أن تقلق على أمنها واستقرارها، وأن تستشعر جسامة ما تمر به المنطقة من تحديات كبيرة، ومتغيرات تتعلق بقضايا مصيرية لها مساس مباشر بأمن واستقرار منظومة دول المجلس، فأمنها مسؤولية جماعية يقع عبؤها على الجميع.

نأمل أن تستمع الدوحة لصوت العقل، وتتخذ خطوات جادة في اتجاه تجسير العلاقات بينها وبين بقية دول المجلس، لأن مثل هذه الخطوات تعد حافزا نحو إعادة بناء العلاقات الخليجية ـ الخليجية، بما يضمن نبذ الخلافات ولم الشمل وتحقيق التضامن، لمواجهة التحديات بروح من المسؤولية والإخاء.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات