العلم في الصغر كالنقش على الحجر

قبل سنوات عدة شاركت في مؤتمر الصحة المدرسية العالمي في سنغافورة، وفي ثالث أيام المؤتمر قمنا بزيارة ميدانية الى إحدى المدارس الحكومية من المرحلة الابتدائية، عدة أمور لفتت انتباهي أثناء الزيارة.

الأمر الأول هو إلزامية جميع المدرسين بأخذ دورة في الإسعافات الأولية، وبشكل دوري. استغربت في بادئ الأمر، حيث إن عيادات الصحة المدرسية بكادرها من الممرضات موجودة في جميع مدارس سنغافورة، وفي حالة أي أمر طارئ، لا قدر الله، سيتم اتخاذ اللازم من قبلهم!

كانت الإجابة بسيطة من قبل مدير المدرسة «الفرق بين الحياة والموت دقائق معدودة، وكل طالب يعتبر ثروة لا تعوض». أدهشني هذا الرد، الذي يتفق مع جميع الأدلة العلمية، فعدم وصول الأكسجين للدماغ من دقيقتين إلى أربع دقائق يعني موت المصاب.

الملاحظة الثانية، كانت في مقصف المدرسة؛ وجود الأكل الصحي والفواكه أمر مفروغ منه، لكن وجود ورقة في يد كل طالب مع صور الأطعمة، وعدد النقاط الممكن حصوله عليها من اختيار بعض الأصناف، كان اللطيف في الأمر. سألت أحد الطلبة عن النقاط، فتبسّم، وبيّن بكل فخر أن في نهاية كل يوم، يتم تسليمها للمعلم، الذي بدوره يضيف النقاط بحسبة معينة إلى درجات الطالب.

الالتفاتة الثالثة، كانت للياقة البدنية، التي كان لها نصيب الأسد في أرجاء المدرسة. حصص اللياقة البدنية تعتبر جزءاً أساسياً من المنهج، والراسب فيها قد يعيد الصف. لاحظت التركيز الكبير على المراحل الدنيا، ورافقت أحد الصفوف في حصة اللياقة الخاصة بهم.

 كانت المحطة الأولى عند مجموعة من اللوحات، التي تحتوي على معلومات عن فوائد الرياضة، على شكل مسابقة ملء الفراغ بين مجموعتي، بعدها تحرك الركب إلى شاشات تفاعلية، بمجرد الضغط على بعض الصور، تبرز المعلومة بالصوت والصورة، وكانت المحطة الأخيرة ملعب المدرسة مع وجود أكثر من اختيار، فمن ركن كرة السلة، إلى باحة كرة القدم، ونهاية بحوض السباحة، ومضمار ألعاب القوى.

وأود هنا أن أشيد بمبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، بإطلاق مشروع الطالب الأولمبي، لتخريج أجيال يرفعون علم الدولة في المحافل العالمية، وينشرون أسلوب الحياة الصحي بين أقرانهم.

الأمر الرابع، هو عيادة الصحة المدرسية، الحمد الله، أقولها بكل فخر، إن إماراتنا الحبيبة تعتبر من أوائل الدول في العالم، التي ألزمت بوجود عيادة في كل مدرسة مجهزة بالكوادر، سواء من ناحية الأجهزة أو الموارد البشرية. الإضافة التي لاحظتها، هي وجود عيادة أسنان مع إلزامية الفحص الدوري لجميع الطلبة، وقد بينت دراسات كثيرة الفوائد العديدة عند وجود أسنان صحية وسليمة، بالذات في المراحل الدراسية الدنيا.

الالتفاتة الأخيرة والمهمة، كانت متعلقة بغرس ثقافة العمل التطوعي والمسؤولية المجتمعية. بعد جلوسي مع الوفد المرافق في قاعة المكتبة المدرسية، قام أحد الطلبة بشرح الأنشطة الأساسية، التي يقوم بها الفصل سنوياً بهذا الخصوص. النشاط الأول هو زيارة دار رعاية كبار المسنين(استراحة الشواب)..

وقضاء اليوم في إطعامهم ومساعدتهم على كل صغيرة وكبيرة، أما النشاط السنوي الثاني فهو إعادة المرضى المصابين جراء الحوادث المرورية، الناتجة عن السرعة، وعدم ربط حزام الأمان. شدَ انتباهي هذا النشاط كثيراً، فهناك أكثر من رسالة تتأصل في ذاكرة الطالب، فإضافة إلى زيارة المريض، يتعرض الطالب، وبشكل عملي إلى عواقب السرعة، وعدم الالتزام بقواعد المرور.

كانت زيارة مختلفة، جعلتني أتذكر عنوان المقال، وأهمية التركيز على الجانب العملي من العلم، الذي بدوره يترسخ في سلوك الطفل اليومي، جاعلاً منه سفيراً فوق العادة لحياة صحية وإيجابية ولجيل مبدع استثنائي.

وعلى قول الحكمة الشهيرة: «العقل السليم في الجسم السليم».

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات