المتابع للشأن العراقي لا يحتاج لجهد كبير لرصد أزمات هذا البلد، التي أصبحت مزمنة على مستوى الممارسات الرسمية، ولا نقول الجماهيرية. ورغم كثرة هذه الأزمات وتنوعها، إلا أن الشهور الأخيرة ونحن نقترب من الانتخابات النيابية في الثلاثين من إبريل المقبل، شهدت استقطاباً في ثلاثة محاور، المشترك فيها هو أن الحكومة طرف رئيسي فيها إن لم تكن صانعة لها. المحور الأول هو الحرب التي تشنها في محافظة الأنبار، وثانيها التصاعد في الصدام الدائم مع إقليم كردستان، والثالث حربها المعلنة على مجلس النواب ورئيسه.

فعلى مستوى المحور الأول، من الصعب تبرير الإقدام على هذه الحرب في مدن المحافظة، في ظل وجود دستور يتيح للمواطن حق الاعتراض والتظاهر والاعتصام السلمي، الذي لجأ إليه جمهور من هذه المحافظة ودام مدة تزيد على السنة، حيث أعطتهم الحكومة أذناً صماء ووعوداً لم ينفذ منها ما هو ملموس ومقنع، خاصة أنه سبق لسكان هذه المحافظة أن كانوا سباقين للتصدي للتنظيمات الإرهابية، التي انتعشت في بعض أجزائها في فترة سابقة تحت مسمى الصحوات.

كما أن شن الحرب في هذه المحافظة بمثابة رسالة لآخرين، فحواها أن رئيس الوزراء لن يستبعد خيار اللجوء للقوة لكسر شوكة من يتجرأ على رفع صوته بالاعتراض على طرائق الحكومة في معالجة القضايا المطروحة، وهذا ينطبق على جهات عديدة في العراق من المنخرطين في العملية السياسية، وليس بعض شركائه في التحالف الوطني مستثنين من ذلك، وفي ذلك ما فيه من تعزيز لتوجس الآخرين وقلقهم، في حالة بقاء رئيس الوزراء لفترة رئاسية ثالثة كما يخطط مع بعض شركائه.

في المحور الثاني، الخلافات ليست قليلة وليست هينة مع إقليم كردستان، الذي يتطلع لأن تنتقل علاقاته مع المركز من الفيدرالية إلى الكونفدرالية في ظل غياب حسن النوايا، إلا أنها تصاعدت بشكل خطير حين امتنعت الحكومة عن دفع حصة الإقليم المالية السنوية، مما أوقف دفع رواتب موظفي الإقليم منذ شهر فبراير المنصرم، في تصعيد غير مسبوق مع الإقليم.

ورغم الملابسات التي تخللت عملية عرقلة إقرار الميزانية السنوية، التي يتبادل الفرقاء شتى الاتهامات بشأنها، إلا أن ذلك لا ينفي عن الحكومة ولا عن المجلس النيابي تهمة الإساءة والاستهانة بحقوق المواطن، خاصة ما يتعلق بمصدر معيشته.

ما هو جدير أخذه بنظر الاعتبار، هو أن هذه الخلافات ربما تنسحب على مجمل العلاقة بين التحالف الكردستاني والتحالف الوطني، الذي حكمت بنوده العملية السياسية على مدى السنوات العشر المنصرمة، مما قد يغير إلى حد كبير من الخارطة السياسية والتوازنات القائمة، سيما أن الكرد قد وصلوا إلى طريق مسدود في تعاملهم مع التحالف الوطني، الذي تمكن رئيس الوزراء من تجيير ولاءاته إلى حد كبير لصالح أجندته.

ففي السادس من مارس الجاري، وفي الكلمة التي ألقاها رئيس إقليم كردستان خلال مراسم تسلم رفات نحو 93 كردياً كانوا مدفونين في مقابر جماعية في السماوة جنوبي العراق، هدد باتخاذ الإقليم مزيداً من الخطوات الانفصالية عن الدولة العراقية، مؤكداً أن "الإقليم بصدد إعادة النظر في العلاقة مع بغداد، لأن الكرد لن يستطيعوا العيش تحت التهديد، إلى ما لا نهاية". وأضاف مهدداً بأن الإقليم قد يتخذ موقفاً لن يتوقعه أحد، إذا استمرت بغداد في مواقفها من الإقليم، مؤكداً أن "المشكلة بين أربيل وبغداد ليست في النفط أو الموازنة.. وإنما المركز يحاول كسر هيبة الكرد".

أما على مستوى المحور الثالث، فمع أن التهم المتبادلة بين رئيس الوزراء ورئيس المجلس النيابي ليست جديدة، إلا أنها أكثر عنفاً وأعمق معنى من ذي قبل، حيث يسعى كل منهما لتسقيط الآخر كي يبدو زعيماً أو ممثلاً لأحد مكونات الشعب..

محصناً نفسه وسط كتلته النيابية ووسط جمهور يسعى لأن يزيد من حجمه، وفق اصطفاف لا يستطيع الراصد اعتباره بريئاً من الطائفية. فقد وصل اتهام رئيس الوزراء، ليس لشخص رئيس المجلس النيابي بل للمجلس نفسه، لحد وصفه بالتمرد والتآمر على الحكومة، وبأنه يفتقر للشرعية، وهو ما أثار حفيظة كتل سياسية أخرى في التحالف الوطني نفسه، اعتبرت أن رئيس الوزراء قد تجاوز ما هو مسموح به في الخطاب السياسي، في حين هدد رئيس المجلس النيابي باللجوء للمحكمة الاتحادية، على قاعدة أن رئيس الوزراء يسعى إلى إلغاء دور المجلس.

مستقبل رئيس الوزراء السياسي في مهب الريح، وهو يعلم ذلك. فهو متهم من قبل شركائه في العملية السياسية ومن قبل حلفائه في التحالف الوطني، بالانفراد بصناعة القرار والذهاب بعيداً في ذلك، إلى الدرجة التي يفسر فيها الصيغ القانونية والدستورية بالقوالب التي تخدم مصلحته، في الوقت الذي يمارس فيه استهدافاً مدروساً للآخرين كتلاً وأفراداً، مستخدماً في ذلك ما تحت يديه من صلاحيات واسعة.

وبمعنى آخر، يسعى رئيس الوزراء وحزبه لفرض معايير خاصة لمقاربة الأزمات، ويلزم الآخرين بالرضوخ لها. وهو متهم كذلك بأن سياساته هي المسؤولة عن بقاء الوضع الأمني متردياً، لإخفاقه في مقاربة ملف المصالحة الوطنية، رغم طول المدة التي أتيحت له لمعالجته.

في سياق ذلك، تجري محاولات جدية لمواجهة حالة التفرد بالسلطة من قبل شخص واحد أو كتلة واحدة أو مكون واحد، فقد تسربت معلومات عن لقاءات تعقد وراء الكواليس، من أجل التوصل لصيغة تحالف سياسي بين قيادات سنية وأخرى كردية، لوضع أسس تحالف سياسي يؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات التي شابها التوجس، الذي خلفته سياسات ما قبل سقوط النظام السابق على مدى عشرات السنين..

ولكن ذلك لا يعني أنه تقارب يُستهدف فيه المكون الثالث للشعب العراقي، فالكرد حرصوا منذ البداية على تأكيد أنهم لن يكونوا طرفاً في صراع طائفي بين الشيعة والسنة، وأن مقاربات تحالفهم للقضايا المطروحة تتم بالدرجة الأولى من منطلق براغماتي بحت، يتعلق بمصالح الإقليم ومستقبله، خاصة أن معظم القضايا المختلف عليها والتي تتعلق بعائدية الأراضي، هي مع المكون السني الملاصق لهم جغرافياً.