كلام في الحب

قد يعيش البشر علاقات عاطفية، لكن قلة منهم يعيشون حبا، والفارق كبير بين العلاقة العاطفية والحب.. العلاقة العاطفية مشاركة تحكمها قوانين وأعراف كالتي تحدث في أي شركة بين شركاء، يلتزم فيها كل طرف بدوره ويحاسب الآخر على المكسب والخسارة من هذه المشاركة، فإذا وجدها لا تفيده بالقدر الذي يتوقعه أو ينتظره، وتصور أن الطرف الآخر يستفيد منها أكثر منه، يفكر على الفور في فسخها وفض هذه الشراكة.

وحين يدخل البشر في علاقات من هذا النوع، يتوقف انتظامها أو انقطاعها على حسابات عقلية في الغالب، ممزوجة بقليل من المشاعر والوجدان، وقد ينتقلون من علاقة إلى علاقة دون أن يعثروا أبدا على جوهر الحب أو يعرفوه. أما الحب فهو ليس مجرد علاقة عاطفية، بل هو وجود عاطفي، عالم خاص مكون من اثنين، له لغة سحرية، حروفها غامضة لا يفهمها سواهما، قوانينه سرمدية كالتي تجعل الريح نسيما، وماء المطر عذبا، وهفيف الشجر موسيقى، وضوء القمر سحرا، وغروب الشمس شجنا، وسواد الليل سرا، ونور الشمس خلودا، ودقات القلب نداء، ونظرة العين وصلا، وملمس الأصابع ولعا، وهزة الرأس دفقة، وبرودة الشتاء دفئا، ونجوم السماء رفقا، وصوت الحبيب لمسا وغيابه شوقا.

والوجود بطبيعته لا يقوم فقط على حسابات المكسب والخسارة، وماذا أخذت وماذا أعطيت، الوجود وجود في ذاته، وقيمته في جوهره، مهما أحاطه من صعوبات أو إحباطات، مثل الحياة تماما بحلوها ومرها.

العلاقات تتبدل أو تموت، لكن الحب لا يتبدل ولا يموت.. العلاقات تجارب، ولكل تجربة علامة في ذكرياتنا، مجرد علامة تقول إن إنسانا ما تشارك معنا لبضع ساعات أو أيام أو شهور أو سنين.

أما الحب فهو حياة ولا يترك علامة، لأنه لا يتركنا، وإنما يعشش فينا ويسكننا ويسبح في مشاعرنا ويرتجف مع كل دقة من دقات قلوبنا، ولا يرحل أبدا مهما كانت تجاربنا بعده، إلا مع الرحيل الأخير.

هذا بالضبط ما شعرت به أمام شاشة التلفزيون، ألهث مع فيلم "أوجست رش"، فيلم تفيض فيه المشاعر وتحلق، وإذا لم تكن تحب فقد تبحث عن هذا الحب وتتمنى أن تعيشه ولو للحظات. وكان طبيعيا أن تقرن مخرجة الفيلم "كريستين شريدان" حكايتها بالموسيقى، بل كانت الموسيقى عنصرا أساسيا فيها، فالعاشق مغني روك وكاتب أغان حديثة، والحبيبة عازفة تشيللو موهوبة في أوركسترا كلاسيكي.

ويتعارفان على سطح بناية عملاقة، في ليلة استكمل فيها القمر جماله وسحره ويشع بضيائه الفضي وجدا وولعا، يتعارفان لأول مرة كما لو أنهما يعرفان بعضهما البعض من ألف سنة، ويمضيان الليلة القمرية معا، وتجبرهما الظروف على الافتراق في اليوم التالي، فالأب يرى في ابنته موهبة فذة يجب ألا يعطلها شيء حتى لو كان حبا، فيأخذها قسرا ويغادر المدينة.

لم يتحمل الحبيب فراقها وفقد الرغبة في الغناء، لأنها لن تسمعه، وإذا لم تسمعه فلمن يكتب أغانيه ولمن يغنيها؟.. وفقدت هي ولعها بالعزف وهجرته.. ولكنها حملت في تلك الليلة القمرية، وحين أنجبت طفلها إيفان ادعى أبوها أنه مات، بينما هو تنازل عنه إلى أحد الملاجئ.

12 عاما وبضعة أيام تمر.. والطفل إيفان في الملجأ.. لكن إيفان ولد موهوبا، يسمع أصوات عيدان القمح موسيقى، وصوت السيارات موسيقى، صراخ المارة.. ضجيج الزحام، الموسيقى داخله تحثه على البحث عن أبويه، كان في عبقرية موتسارت، وموتسارت عزف وألف الموسيقى وهو في الخامسة من عمره، لكن الفارق أن موتسارت واقع وله أبوان، أما إيفان فهو خيال في فيلم ومحروم من أبويه.. ويتصور أن الموسيقى التي في داخله هي التي ستقوده إليهما.. ويهرب إيفان من الملجأ، ويعثر على عازف غيتار من أطفال الشوارع، ويشده الغيتار ويتبعه إلى حيث يسكن الضائعون في الحياة، مبنى مهجور يسيطر عليه فنان شرير بوهيمي يعيش على شحاذة هؤلاء الأطفال العازفين.

يطارد إيفان الغيتار، لا الصبي العازف، فالموسيقى هي أمله الوحيد في العثور على أبويه المجهولين، وهي داخله مثل بركان يغلي ويضغط كي يخرج إلى الفضاء الواسع، ويقبض على الغيتار في سواد الليل ويعزف عليه بما يشعر به، فتخرج موسيقى شجية بديعة تدغدغ الإحساس والمشاعر، فيكتشف الفنان الشحاذ أنه أمام كنز يمكن أن يدر عليه ثروة طائلة، فيمنحه الغيتار ويعلمه، ويعزف إيفان الموسيقى التي تصدح في عقله وتمسك بأنفاسه، وهو على يقين بأن هذه النغمات ستطير عبر الأثير إلى أبويه، وتناديهما إليه.

لا أريد أن أقص عليكم حكاية الفيلم، ولكن أود أن أقول لكم ماذا يصنع الحب في النفوس.. فالحب هو أصل الوجود وسره كما يقول الصوفيون.

وبالفعل تصنع موسيقى إيفان المعجزة، ليس في أن يعثر على أبويه فقط، ولكن أن يعثر أبواه على نفسيهما مرة ثانية، بعد 12 عاما من الضياع والفقد والحيرة والتشتت.. فالحب لا يموت. ما أجمل المشاعر حين تفيض، وتتحول إلى سحر يقيك من تشوهات زمن ملوث!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات