بوتين إذ يتقدم إلى الخلف

روسيا التي نتحدث عنها اليوم ليست روسيا البلشفية، ولا هي روسيا القيصرية.

والرئيس بوتين ليس القيصر بطرس الأكبر ولا الرفيق لينين، إنه القيصر الأحمر سليل مروضي الدببة والثلوج، التي تغمر معظم أيام السنة، دون أن تتجمد في العروق دماء الكبرياء التاريخي، الذي كلف البشر في هذه البقعة من الأرض ملايين القتلى وعشرات السنين من المعاناة وكبت الحرية.

ها هو تاريخ تلك المنطقة يعيد نفسه في نفس الحلبة، على مستويين داخلي وخارجي.

فمن روسيا القيصرية، إلى الإمبراطورية الروسية، إلى الجمهوريات السوفيتية، ثم عودة إلى الجمهورية الروسية، والآن مؤشرات عودة إلى روسيا القوية، بعد تجربة الانفتاح على الغرب والعالم وملذاته، لتحل محل كوبونات الخبز والطوابير على مخصصات البطاطا والفودكا وهزيمة الروبل أمام الدولار.

فبوتين الذي شهد وكان شريكا في تفكيك الجمهوريات السوفييتية، يخاطر الآن بموسكو من أجل أن تبقى أوكرانيا خاصرة تحمي جسد روسيا، ومستعد لخوض معركة حياة أو موت.

على الصعيد الخارجي، يعود التاريخ إلى مقولة ان الأرض لا بد أن ترتكز على قرنين كي تتوازن.

فمنذ أن انكسر القرن السوفييتي عام 1991 إثر فشل بريسترويكا ميخائيل غورباتشوف وقدوم بوريس يلتسين على متن دبابة إلى سدة الكرملين، انتهت الحرب الباردة وانهار السلم العالمي، واستفردت أميركا والغرب بالعالم، فاشتعلت حروب واحتلت دول، ونشأ نظام عالمي جديد خاضع للمصالح الأميركية والغربية.

وما لم تكن حرب واسعة قد اشتعلت حتى كتابة هذه السطور، فإن العالم يكون قد قفز خطوات سريعة نحو العودة إلى الحرب الباردة.

فالتوتر بين الولايات المتحدة وروسيا وصل إلى ذروة لم نشهدها منذ سقوط الاتحاد السوفييتي.

تحدّث الرئيس الأميركي باراك أوباما في نهاية الأسبوع الماضي لمدّة 90 دقيقة مع نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، وطلب منه سحب قواته من أوكرانيا والعودة إلى قواعدها، كما دعا وزير الخارجية، جون كيري، موسكو ألا تتدخل في الشؤون الداخلية لأوكرانيا.

ويبدو حتى الآن أنّ بوتين يتجاهل التحذيرات الأميركية بشكل قاطع، إذ قال في محادثة مع أوباما إنّ "لروسيا الحقّ في الدفاع عن مصالحها والدفاع عن المتحدّثين باللغة الروسية في شرق أوكرانيا"، ويعني شبه جزيرة القرم التي تعيش فيها غالبية من المتحدّثين بالروسية، وهناك طموحات روسيّة لضمّها.

ورغم أنّ المنطقة تقع تحت سيادة أوكرانيا، فإنّ الهيمنة العسكرية الروسية ملاحظة بشكل واضح منذ سقوط الكتلة السوفييتية. تحدّث أوباما كذلك مع رئيس حكومة كندا ستيفن هاربر والرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، وأشار إلى أهمية تشكيل جبهة مضادّة لروسيا.

وكانت روسيا اعترفت في الماضي بالسيادة الأوكرانية في شبه جزيرة القرم، في وثيقة وقّعت عليها مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.

وتلزم "اتفاقية بودابست" منذ 1994 الدول الغربية بالدفاع عن سلامة الأراضي الأوكرانية في حالة وقوع غزو روسي، ولكن يبدو الآنّ من الصعب على أوباما أن يفي بهذا الالتزام. فأيادي أميركا مكبّلة أمام بوتين، لأنّها تحتاج التعاون مع روسيا في عدد من الجبهات.

وتسعى حكومة أوباما إلى تشكيل جبهة موحّدة ضدّ إيران توقف مشروعها النووي، ولذلك ورغم الاختلاف بين مصالح البلدين، فإنّ الرغبة في الحفاظ على إنجاز الاتفاق النووي في جنيف قد تفوق الالتزام بالدفاع عن أوكرانيا.

كما أن وقوف بوتين المستمر إلى جانب نظام بشّار الأسد أمام المناورة الأميركية بين البدائل، يجعل المواجهة بين روسيا والغرب أكثر تركيبا وتعقيدا.

ويحذّر بعض المحلّلين من أنه إذا لم يتوقّف بوتين في أوكرانيا، فمن المتوقّع أن يستمرّ في السباق نحو القوة والنفوذ أيضا في جبهات أخرى، مثل سوريا وإيران.

وثمة من يربط بين موقف روسيا من القضايا العربية، وخاصة مصر وسوريا، وبين ما يجري بشأن أوكرانيا.

فبالنسبة لسوريا تقف روسيا موقف المدافع الأول والأشرس عن بقاء سوريا دولة حليفة لها، وكبوابة لموسكو على شواطئ المتوسط، وبالنسبة لمصر فإن روسيا بدأت تستعيد مجد العلاقات في العهد السوفييتي الناصري.

فهل يجري نوع من المقايضة بين أوكرانيا وكل من مصر وسوريا؟ أم يستأسد بوتين أكثر لتعود روسيا بقوة إلى مكانتها العالمية في الحقبة السوفييتية، وتعود الكرة الأرضية ترتكز على قرنين؟

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات