الاتصال المؤسسي وإدارة السمعة

ت + ت - الحجم الطبيعي

من الصعب على الإنسان أن يكوّن خبراته الحياتية، بكافة أشكالها وتعرجاتها وتفاصيلها، عبر المرور بتجربة شخصية، كما أنه من الصعب أن تنطلق أحكامه على ما يحيط به، عبر تجربة ذاتية تخصه وحده، وإلا فإنه سيحتاج إلى مئات السنوات، التي تضاف إلى عمره، لتكتمل تجربته، وتتسع دائرة معرفته. من هنا كانت أهمية الاتصال بكافة أشكاله..

ومختلف وسائله، الذي كثف الزمن وذهب بالإنسان إلى عوالم، لم يكن له أن يذهب إليها من دونه، فقد استطاع أن يصعد به على سطح القمر، وهو جالس على أريكته، كما استطاع أن يغوص به في أعماق البحار من دون أن تبتل أقدامه، وطاف به بين بقاع المعمورة ليحيطه علماً بعادات وتقاليد وثقافات مختلف الشعوب من دون أن يلتقي بهم، كما قامت وسائل الاتصال بدور مراقب البيئة، التي تخبر الإنسان بحالة الطبيعة حوله، وفي مختلف البلدان، ليأخذ الحيطة والحذر.

لكل ذلك أصبحت أدوات الاتصال وأشكاله - سواء الجماهيرية التي تتوجه إلى الجماهير مجتمعة، أو الشخصية التي تتجه إلى أفراد بعينهم - قريناً للفرد لا يمكن أن يعيش من دونها، فالإنسان بطبعه كائن اتصالي للدرجة، التي جعلت الحبس الانفرادي من أقسى درجات العقاب التي تقع على الفرد، كما أن الاتصال لم يتوقف دوره عند هذا الحد..

لكن من أهم الأدوار التي قام بها وما زال إدارة السمعة وصناعة الصورة. ولأن الإمارات تسعى إلى أن تكون مصدرة لأفضل الممارسات العالمية، كان المنتدى الدولي للاتصال الحكومي، الذي عقد في الشارقة مؤخراً، يهدف إلى جلب أفضل الممارسات الدولية في قطاع الاتصال الحكومي، وبناء منظومة جديدة في فكر الاتصال الحكومي، تستفيد منها المؤسسات الحكومية والعاملون في قطاع الاتصال، ليس فقط في دولة الإمارات والمنطقة العربية فحسب، وإنما في العالم أيضاً.

ومن المعلوم في علم الاتصال، أن الكثير من سلوكاتنا تجاه مختلف القضايا والمؤسسات لا يتم وفق ما تقوم به فقط من أدوار، ولكن وفق ما نراه نحن، وما هو مطبوع لدينا من صور حولها، فنحن لا نرى الأشياء كما تحدث، ولكن كما نفسرها نحن، كما أننا نضيف إليها من ذواتنا، ولذلك قال الشاعر إيليا أبو ماضي: "كن جميلا ترى الوجود جميلا"؛ أي أن الرؤية نابعة مما هو مطبوع في أنفسنا حول ما نراه، لذا فقد يكون الحدث واحداً، ولكن تختلف حوله التفسيرات والتأويلات.

ولا شك في أن إدارة السمعة هي أحد أهم المفاهيم الحديثة، التي تتم عبر الاتصال المؤسسي المستمر، لتكريس سمعة طيبة للمؤسسة، للدرجة التي تجعل جمهور المتعاملين ينظر إليها باعتبارها مؤسسة وطنية صالحة، من خلال ما تقدمه له من تسهيلات وخدمات، ما يجعل جمهورها يقف بجانبها ويساندها عند تعرضها للعثرات أو الأزمات.

كما أن إدارة السمعة لا تعني فقط التوجه إلى الجمهور الخارجي، وإغفال الجمهور الداخلي، وهم العاملون في المؤسسة، على اعتبار أن توفير بيئة مواتية ومناخ محفز، من شأنه أن يحقق الرضى لدى العاملين في المؤسسة، ما يشعرهم بالفخر بالعمل لدى المؤسسة، ولذلك انعكاساته على سلوكهم مع جمهور المؤسسة الخارجي، باعتبار أنها حلقات متصلة ومكملة لبعضها بعضاً، ففاقد الشيء لا يعطيه.

وفي ظل اتساع مجال الأعمال، وما ترتب عليه من وجود كيانات مؤسسية متعددة الجنسيات، فضلاً عن المنافسة الكبيرة، كان لا بد أن تستخدم المؤسسات أياً كان مجال عملها، أكثر وسائل الاتصال تأثيراً وتحقيقاً لأهدافها، وتكوين رصيد لها من السمعة الطيبة في البيئة، التي تعمل في إطارها، ذلك أن السمعة الطيبة للمؤسسة، تنعكس ليس فقط على جمهورها، ولكن على تعاملاتها مع كافة المنظمات والهيئات الرسمية وغير الرسمية، كما أنها الضمانة لانضمام شرائح جديدة لجمهورها.

ومن خلال بعض المشاهدات، هناك الكثير من المؤسسات والدوائر، التي تقوم بعمل جاد ومتميز، غير أنها لم تصل به بعد إلى قطاع كبير من الجمهور، أو أنها توجه رسالتها الاتصالية إلى شريحة متجاهلة شرائح أخرى، قد تكون أكثر تأثيرا، خاصة أن محصلة السمعة الطيبة للمؤسسات العاملة في مختلف الميادين، تصب في الأخير في مصلحة المجتمع وصورة الدولة، باعتبار المؤسسات مكوناً مهماً وفاعلاً في تنمية منظومة الأداء، وهو ما أكده نيكولاس جورجيس، الشريك التنفيذي في معهد السمعة، حين قال: "تعتبر السمعة أهم مقياس لنجاح الشركات والمدن والدول، وفقاً لإحصاءات أجريت في عام 2011، والدليل أن 70% تقريباً من سمعة الدول تعتمد على الحكومة والشعب في آن ".

ومن المقطوع به يقيناً أن الاتصال مهما كانت فاعليته، لن يكفي وحده لترسيخ سمعة طيبة للمؤسسة، ما لم يصاحب ذلك عمل جاد وحقيقي على أرض الواقع، يلمسه الجمهور، لذا فإن على المؤسسة تحمل مسؤوليتها الاجتماعية، تجاه المجتمع بصفة عامة وجمهورها على وجه الخصوص، من خلال برامج واضحة ومؤثرة، تسهم في إسعاد ورفاهية المحيطين بها، من خلال المساهمة في دعم البحث العلمي، والحفاظ على البيئة، والمشاركة في الفعاليات المجتمعية، والتخفيف من معاناة بعض المتعثرين، باعتبار ذلك شكلاً من أشكال التعبير عن الامتنان للدعم المجتمعي، الذي لولاه لما كان نجاح المؤسسات ذاتها. هنا تنشأ حالة من الرضى المجتمعي الذي يتحول إلى ولاء عاطفي، يربط المؤسسة بالجمهور، الذي يحافظ بالتبعية على تعامله معها، وعدم التحول عنها عند أصعب الظروف.

كذلك فإن إحدى أهم أدوات إدارة سمعة المنظمة، هي ما تقدمه من خدمة حقيقية ترضي جمهورها، وهو ما أكده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، حين قال: "قيمة المسؤول ما ينجزه في خدمة الناس"، فضلاً عن وضع قاعدة غاية في الأهمية في مجال إدارة السمعة، وهي قوله: "أهم من الخدمة طريقة تقديمها، ورضى المتعاملين"، حيث إن الرقي في تقديم الخدمة لا يسعد فقط جمهورها، لأن السعادة حالة وقتية، ولكن يرتقي به إلى الرضى عن أدائها، وهو حالة أكثر ديمومة من السعادة.

 

عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية

طباعة Email