الطاغية المؤسسي

كل مؤسسة فيها شخص يذبح القيم وينحر الآمال، يقتات من الأحلام ليشبع غرائزه بالبقاء والاستمرار.. يبدأ صغيراً ويكبر بأساليبه الملتوية، يتمكن من الحصول على ثقة الكثيرين من حوله بطيب كلامه، ويتدرج في المؤسسة حتى يصل إلى منصب رفيع، بالتسلق على أكتاف الآخرين وبإتقان فن «فرق تسد». يقوم يومياً بزراعة الفتنة، ويكون الملاك الذي يلجؤون إليه عندما يبحثون عن النصيحة، ولكن هيهات فنصيحته مغلفة بالمكيدة ومشبعة بالمكر. قد تختلف أسماؤهم من فرعون أو ستالين أو هتلر أو بشار، ورغم ذلك يملكون قاسماً مشتركاً؛ أنهم يعيثون في الأرض فساداً.. هؤلاء هم الطغاة في مؤسساتنا.

يأتي الطاغية إلى مؤسساتنا ويلعب دور الباحث عن سعادة الجميع، ويتنكر برداء حب الوطن والمواطنين فلا تجده يتحدث إلا عن الوحدة في العلن، ويرسم خططه التي ستفتك بمستقبل الكثيرين في الخفاء. يدعي أنه المنقذ والموظف المثالي الذي تحتاج إليه كل مؤسسة لترقى، وما هو إلا النرجسي المحب لذاته. تجده يتكلم عن الرؤية والاستراتيجيات والأهداف، حاملاً عبء وهموم المؤسسة على كتفه، ولكنه في الحقيقة شخص معقد، يحمل ألغاماً لا يفتأ يفجرها فور إحساسه بالتهديد، لأنه يشعر بالغيرة من الغير فيأكل قلبه الحسد والغل، وهو فاقد للثقة بنفسه، لأنه يعلم أنه لا يستحق ما وصل إليه.

الطاغية في مؤسساتنا يتقن دور الخرفان الودودة، فلا يمكن إلا للجميع أن يحبوه، وبمرور الوقت يكتشفون حقيقته، فهو أفعى تبث سمومها لتبلغ مرادها وتنسلخ من مبادئ المهنية والأخلاقية. يستمر في ارتكاب المجازر المؤسسية من دون محاسبة، فلا أدلة فعلية ضده، فمن يعقد اتفاقاً مع حزب الشيطان، تصعب معاقبته لشدة حذره. يزرع الإحساس في من يحيطونه بأن المؤسسة ستتوقف عن العمل إن لم يحضر، والمصائب ستتوالى لولا وجود عقليته الفذة، فلا أحد يملك من العلم ما لديه، ولا أحد يفقه في الصورة الكبرى إلا هو، ولا أحد يملك في جعبته ما عنده من مجمع المفردات اللغوية الصعبة والمؤسسية المعقدة.

يصعب التعرف تلقائياً إلى الطاغية في مؤسساتنا إلا على من شابهه، فمعظمنا تربى على الثقة وحسن النية، وليس على الوجل والريبة. يأتيك ويتبادل معك أطراف الحديث حول المستقبل وكيف يراك فيه، يرسم لك أحلاماً ويطعمك من الطموحات، حتى تشبع وتشعر بأنك ملكت الكون وستدير المؤسسة بعد فترة من الزمن، ويذكرك دائماً بوعدك الذي قطعته على نفسك، ألا تنساه حين تبلغ ذلك المسمى الوظيفي الصعب..

فيعزز بذلك ثقتك به وحاجتك إليه كصديقك الأمين. تمر الأيام ثقيلة، ومع كل عقبة تواجهك تجده على يسارك يلقي اللوم على شخص آخر كان وراء تعثرك وينفث السموم. وهو يفعل الشيء ذاته مع الكثيرين في المؤسسة، فتفاجأ بانقلاب البعض عليك، ومعاملتهم الجافة لك. تقوم بتركيب قطع الأحجية معه لتصل لنتيجة محتمة، أنهم يريدون قتل طموحك ويرغبون في تحطيمك. فتكبر الفجوة بينك وبينهم، والحال نفسه بينهم وبين ضحاياه الذين يصعب عدهم، فتغدو المؤسسة ساحة حرب يحمى فيها الوطيس بلا استقرار ولا أمان وظيفي، والبقاء فيها لمن يجاوره، والكل فيها يحاول النيل من الآخر.

مصيبة الطاغية تأخذ منحنى خطيراً حينما يتمكن من رأس الهرم في المؤسسة؛ فتتغير القوانين والاستراتيجيات بما يناسبه وبما ينصح به. تجده يتسلق الهرم الوظيفي بمساعدة أتباعه، فالترقية من نصيبه وإن لم يستحقها، ورأيه يؤخذ به وإن كان خاطئاً، فهو يملك سلاحاً نووياً هو القدرة على التلاعب بمشاعر البشر. تجده يهرول في أروقة المكاتب بملفاته التي يتقن حفظها، ليصبح الخبير المؤسسي في كل مجال والمستشار في كل شأن.

عندما يطفح الكيل بالكل، تجد صديقنا لا يزال في مكانه مع كل التغييرات التي تحدث في المؤسسة من حوله، صامداً صمود الجبل. فحتى لو تغير رأس الهرم تجده انسلخ من جلده وأبدله بجلد حية جديد، ليعيد الدورة مرة أخرى مع من تقع في يده القرارات، فيصبح ظله حتى يتمكن منه.. وهلم جراً.

المعركة مع الطاغية صعبة، وبما أن أسلوبه يعتمد على زراعة الفتنة والشائعات بين الأشخاص، فإن أكثر ما يخشاه هو أن تتحد الصفوف ضده. هم ينجحون لأنهم يجعلون الناس تنشغل عن العمل بمحاربة بعضها بعضاً.

إذاً، فبداية الحل تكمن في المواجهة، وهذا شيء لا نتقنه كثيراً ولا يمارسه إلا من رحم ربي. المواجهة تتطلب القليل من الشجاعة والكثير من الجرأة لطمس الأكاذيب، فالمواجهة أصبحت ضرورة ملحة، خاصة في بيئة تتمحور حول الإشاعات. عندما نواجهه الأشخاص بنبأ أتانا من فاسق، بطريقة عقلانية وباستخدام آداب الحوار، فإننا بذلك مددنا جسور التواصل وفتحنا أبواباً موصدة، وأطفأنا بعض اللهيب في قلوبنا. يجب أيضاً أن نتوقف عن الحكم على الأشخاص من عيون الغير، فحكمنا حينها سيخلو من المصداقية، لأننا لم نعطهم فرصة كافية. ويجب أيضاً ألا نحسن الظن حد السذاجة، وألا نسيء الظن حد الوسوسة، وليكن حسن ظننا ثقة وسوء ظننا وقاية.

ما يرتكبه الطاغية ونظامه لا يمكنه الاستمرار في إخفائه وتدليس حقائقه البشعة، فالحقيقة كالشمس إن حجبت فلا بد أن تشرق يوماً لينقشع الظلام. ينتهي الطغيان متى توقفت الاستجابة له ولمطامعه، من خلال الوحدة والتعاون المؤسسي الذي سيكون الضربة القاتلة للأفعى؛ فحين تصاب الأفعى بضرر في جسمها وتفقد الأمل بالشفاء، تنتحر بزرع أنيابها في نفسها وتطلق سمومها لتودي بحياتها. بتعاضدكم تجتثون أعناق كل الأفاعي من أجسادها، لتثبتوا أن نهاية الطاغية ـ كما بدايته - في الحضيض.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات