تخلي السلطة السورية عن مسؤولياتها

لا تشعر السلطة السورية بأي مسؤولية تجاه مئات الألوف، بل الملايين، من مواطنيها الذين شردتهم وهاجروا إلى الدول المجاورة وإلى دول العالم كلها، رغم أن هؤلاء المشردين ليسوا من حملة السلاح ولا من ممارسي العنف، بدليل أن معظمهم خرج من البلاد بشكل نظامي وعن طريق المنافذ الرسمية وبتسهيل من السلطة.

ورغم أن الأمر كذلك لم يزرهم في مخيماتهم أي مسؤول، ولم تعقد السلطة معهم أي صلة من أي نوع، باستثناء بث عملاء أجهزة الأمن بينهم للكيد لهم، ولم تتواصل حتى مع دول الإيواء، كالأردن ولبنان والعراق وتركيا، للسؤال عن أحوالهم والمساعدة في حل بعض مشاكلهم، وهم مواطنون سوريون من المفروض أن تكون السلطة مسؤولة عنهم..

ولم يخطر على بالها أن ترسل وفداً طبياً أو تعليمياً أو وفد إغاثة أو حتى موظفين صغاراً يدرسون أحوالهم، بل لم تلتق مع المسؤولين عنهم في دول الإيواء، وكأنهم من غير مواطنيها.

وبمقدورها، لو أرادت، أن تنصب لهم مخيمات آمنة داخل سوريا، وتقيم فيها مستوصفات ومدارس ومراكز رعاية اجتماعية وتموين وتغذية (مما ترسله الأمم المتحدة ودول العالم وجمعياته الخيرية)، بدلاً من توزيعها على غير مستحقيها، كما يحدث الآن.

الأسوأ من ذلك هو تطبيق الحصار على بعض المناطق السكنية (أحياء وقرى وغيرها)، ومنع دخول الأغذية أو الأدوية أو أي مساعدات أخرى إليها.

ويعرف أهل السلطة أن معظم المحاصرين، من الأطفال والنساء، يتعرضون للجوع والبرد والحرمان والمرض والموت، ولا تبعد وسائل الإنقاذ عنهم أكثر من مئات الأمتار، وترفض السلطة (بإصرار) فك الحصار وإدخال الغذاء والمساعدات الإنسانية، رغم قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وبعيداً عن القيم الأخلاقية والتقاليد العربية والإسلامية، وتعتبر تقصيرها في هذا كله قضايا إجرائية، أمام "الجرائم الكبرى" التي يرتكبها الشعب السوري، والمتمثلة بمطالبته بتطبيق معايير الدولة الحديثة، كالحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص وفصل السلطات، وغيرها..

لقد استهلك وليد المعلم وزير الخارجية أربعة أضعاف الوقت المخصص له خلال الجولة الأولى لمؤتمر حنيف ليتحدث عن الإرهاب، وكان يعني به انتفاضة السوريين ومطالبتهم بحقوقهم، بينما تجاهل اعتقالهم والتنكيل بهم وتشريدهم من قبل حكومتهم.

ويبدو أن وضعهم الكارثي يقع، حسب رأيه، في إطار الصغيرات التي لا تستحق الاهتمام بها.

يهان السوريون في معظم بلدان العالم، ويشعرون بأنهم عزيز قوم ذل، ومن يطلع على سوء معاملة بعض دول الإيواء لهم، يدهشه صمت السلطة السورية وتجاهلها هي وسفراؤها لأوضاعهم، فلا يكلف أي سفير سوري نفسه الاطلاع على أحوالهم أو التواصل معهم أو مع بلدان الإيواء، وكأنهم أشد الأعداء، مع أنهم (أيضاً وأيضاً) مواطنون كاملو المواطنة، معظمهم من الأطفال والنساء الذين هربوا من ديارهم بسبب القصف، وطلباً للأمن لهم ولأطفالهم، وتركوا مساكنهم وأملاكهم مشرعة للنهب والسلب.

وهكذا تتصرف السلطة السورية، وكأن لا دخل لها بشؤون شعبها، وتتناسى أن الدستور السوري يجعل من مسؤولياتها تقديم الأمن والأمان والغذاء والدواء والتعليم للشعب، لا تجويعه وتشريده ومبادلة المعتقلين من أبنائه بمعتقلين أجانب لدى المعارضة (ويا للعار).

وأخيراً، على السلطة السورية أن تتذكر أن مسؤولياتها كبيرة تجاه شعبها، وليس لها أي مبرر كي تتخلى عن هذه المسؤوليات التي لا تعفيها منها أي مزاعم بوجود مسلحين أو إرهابيين أو أي عذر آخر.

ويعني تخليها عن مسؤولياتها هذه، تخليها عن شرعيتها أخلاقياً وقانونياً، أمام شعبها وأمام شعوب العالم والمنظمات الدولية..

يحدث ذلك كله لأن سياسة السلطة السورية تقوم على العنف، وتؤمن أنه الوسيلة الوحيدة لإخماد ثورة الشعب السوري، ولذلك تقصف البيوت وتدمرها على رؤوس ساكنيها، وبأكثر الوسائل وحشية (البراميل المتفجرة)، وتهجّر السكان، وتنهب بيوتهم، ويلاقي المعتقلون من أبناء الشعب السوري التعذيب الوحشي في معتقلاتهم، ويتعرض سكان الأحياء المحاصرة للتجويع (وهو أشد إيلاماً من التعذيب الجسدي)، كما تتعرض جموع من السوريين للقتل والتشريد والمجازر الجماعية، ولا تُسلم جثامين ضحايا التعذيب لأهلها، إلا بعد أن يوقعوا وثيقة تُؤكد أن أبناءهم قُتلوا بيد الإرهابيين، وكثيرة هي المرات التي يرفض فيها جهاز الأمن المعني تسليم جثمان الضحية لذويها، ويسلم بدلاً منها بطاقة المقتول الشخصية ليس إلا.

ويُمنع على المحاصرين من النساء والأطفال الخروج من مناطق حصارهم، ويتم كل ذلك تحت مبرر وجود "مسلحين إرهابيين" في هذه المناطق.

 وتعتبر السلطة السورية هذه الوحشية كلها "إجراءات صغيرة"، لا أهمية "استراتيجية" لها أمام "الجرائم الكبرى" التي ارتكبها الشعب السوري بمطالبته باستعادة كرامته التي أهدرتها أجهزة الأمن، واحتجاجه على حرمانه من حريته، وتعريضه للاعتقال والقمع والاستبداد والتسلط خلال عشرات السنين، بدون تهم واضحة محددة ومعلنة ودون قرارات من القضاء، وعندما احتج السوريون بالقيام بالمظاهرات السلمية قابلتهم السلطة بالسلاح والقمع المسلح والعنف وإنكار حقوقهم كمواطنين، ثم أخيراً، واجهتهم بالتدمير والقتل، واعتبرت مطالبتهم بحقوقهم من الجرائم الكبرى التي لا تغتفر، وأخيراً تخلت عن مسؤولياتها تجاههم.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات