إكسبو الحدث سوف يأتي قريباً إلينا، والهدف من إكسبو ليس إبراز منشآت ضخمة ومبان كبيرة، لأن إكسبو ليس فقط استعدادات بنيوية مادية، بل هو منصة حضارية سوف تبقى في الأذهان وفي ذاكرة الأجيال القادمة لفترة طويلة.

الاستعدادات لإكسبو 2020 بدأت فعلاً، ولكن ما ينبغي الاستعداد له ليس فقط التهيئة المادية، بل التهيئة الثقافية والحضارية.

فكلمة إكسبو تعني حرفياً المعرض العالمي للتخطيط وعرض الأفكار الرائدة في عدة مجالات تشمل الصناعة والثقافة وغيرها من المجالات، ولكن المعرض يهدف الى التعريف والتقريب بين حضارات العالم وإبراز حضارة كل بلد والتركيز على ثقافته الأصيلة وترابطها مع ثقافات العالم.

 معرض إكسبو بتاريخه الطويل بدأ عام 1851، ومرتكزاته الحضارية يسعى إلى أن يكون أكثر من مجرد معرض للأفكار والمبتكرات الجديدة. إنه منصة حضارية وثقافية عالمية.

عندما فازت دبي بتنظيم إكسبو 2020 كان الجميع مدركاً بأن دبي سوف تتفوق في التنظيم وفي الاستعدادات اللوجستية، وهي التي تفوقت في الكثير من مجالات البنية التحتية من قبل.

ولكن هناك تساؤل يدور في ذهن المراقب الخارجي وهو "هل تستطيع دبي أن تتفوق في المجال الحضاري وخاصة في مجال إبراز الثقافة الإماراتية الأصيلة؟ هذا التساؤل مشروع لعدة أسباب الأول هو أن أهداف إكسبو ليست فقط صناعية أو لوجستية بل وراءها تكمن أهداف ثقافية وحضارية للإنسانية جمعاء تهدف الى إبراز ثقافة وهوية البلد المضيف وتواصله مع الآخرين.

ومن المعروف أن الإمارات بلد متعدد الثقافات والأجناس واللغات.

فأي ثقافة سوف نقدم؟ هل ثقافة وتراث البلد الأصيلة أم ثقافة المزيج الحضاري المودرن السائد حاليا؟ هناك الملايين من السياح والزائرين لإكسبو سوف يتطلعون ليس الى رؤية الأبراج العالية التي شيدت وليس الى المباني الشاهقة والضخمة التي تزخر بها البلاد ولكن الى التراث العمراني التقليدي والى الثقافة الإماراتية الأصيلة وليس الى تلك التي تماهت في ثقافات أخرى وضاعت ملامحها الحقيقية.

وهذا يعنى أننا سوف نجد أنفسنا قريبا أمام تحد حضاري حقيقي يجب أن نستعد له منذ الآن وبسواعد وعقول إماراتية بحتة. فالثقافة السائدة الآن هي مزيج من ثقافات عدة بعضها قديم والبعض الآخر حديث كحداثة البلد نفسه. وربما لا نكون وحدنا قد واجهنا هذا التحدي.

ولنأخذ مثالاً من المدن التي احتضنت إكسبو من قبل أو تلك التي سوف تحتضن إكسبو 2015 وهي ميلان. وربما قد ينفعنا مثال آخر وهو بلدة سوتشي الروسية التي احتضنت الأولمبياد الشتوي لعام 2014.

فتلك تجارب مفيدة ليس فقط لأنها تجارب ناجحة بل نتعلم منها حتى لو كانت تجارب فاشلة. فالفشل خير معلم لأنه يحثنا على العمل الدؤوب والسعي نحو الأفضل . وقد لا نحتاج الى التجارب الناجحة لأننا أصلاً نصدرها بل قد نحتاج الى التعلم من فشل الآخرين حتى لا نكررها.

لقد كسبت دبي سباق إكسبو لآنها أصرت على النجاح وعلى السعي نحوه بكل همة عالية وتصميم أكيد. ولكن الوصول الى القمة ليس دوماً صعباً. فالأصعب هو الاستمرار في البقاء على القمة لأن ذلك يحتاج الى الكثير من العمل الجاد، خاصة عندما تكون تلك القمة عالية جدا وصلدة.

وصولنا الى إكسبو يفرض علينا التعامل والتعاطي مع ملفات حضارية عديدة تماما كما يفرض علينا الكثير من الاستعدادات اللوجستية. الاستعدادات المطلوبة ليست فقط في مجال البنية التحتية المادية، ولكن في مجال التهيئة الثقافية وفي مجال الموارد البشرية المحلية وهما عنصران متلازمان.

فتهيئة الكادر البشري المواطن المطلع، وهو واجهتنا في معرض إكسبو، والتهيئة الثقافية الملائمة هي التي سوف توصل رسالتنا الحضارية للآخرين. إن التحدي الأكبر الذي سوف يواجهنا في تنظيم إكسبو تحد يجب الاستعداد له منذ الآن.

تهيئة كادر بشري مؤهل للإشراف على العمل اللوجستي عن طريق إعداد شباب مؤهلين ولديهم ثقافة واطلاع واسع مدركين لأهمية الحدث الحضارية لمستقبل البلاد ككل. التهيئة الثقافية تشمل منصات الثقافة من متاحف ومراكز ثقافية لأنها واجهة البلد للتعريف بثقافة البلد الأصيلة.

المنصات الإعلامية يجب أن تكون على أهبة الاستعداد ليس لتغطية الحدث وإبرازه على خير وجه، ولكن لكي تكون هي الأخرى على استعداد للعمل الجاد وإظهار ثقافة البلد الأصيلة وتمثيلها خير تمثيل. وسوف تتحمل القنوات الإعلامية المحلية الرسمية والخاصة العبء الأكبر، وعليها القيام بالدور المنوط بها خير قيام. لذا فعلى المنصات الثقافية المحلية بمختلف أنواعها دور مهم عليها العمل عليه منذ الآن.

إكسبو 2020 سوف يكون نقطة تحول حضارية مهمة في حياتنا وعلينا أن نوظف كل جهودنا لنستفيد منه أقصى استفادة. سوف نستفيد منه ليس فقط لأنه سوف يعتمد على اقتصاد المعرفة، ولكن لتعريف العالم بنا كأمة لها امتداد تاريخي وجذور موغلة في القدم.