يكثر الحديث دائماً عن الفشل في مشروعات التنمية والتطوير في العالم العربي، وأنه حتى مع الثورات التي عصفت بالعالم العربي، وموجة التفاؤل التي أصابت المنطقة، اكتشف كثيرون أن التغيير كان رأسياً، ولم يلامس الشرائح الاجتماعية الأخرى، وأن الترسبات الموجودة، من تعصب وعرقية وجهل ومؤسسات ضعيفة ومهترئة من الداخل، لم تساعد على بناء تغيير حقيقي في المجتمع.

أدرك كثيرون أن القضية ليست في تغيير اسم وشكل الزعامة، بل في المنظومة الكاملة التي تستطيع أن تحقق تغييراً جوهرياً في حياة الناس، وتسهم في إحداث نقلة نوعية في المجتمع، ولذلك ما زالت مشروعات التغيير تتعثر. وبعد موجة الحماسة التي هبت في بدايات 2011، تظهر الآن أصوات تتساءل عن حقيقة ما حدث وأين التغيير؟

وظهرت أصوات تردد بيت الشاعر نزار قباني «لو أني أعرف خاتمتي ما كنت بدأت». وبرغم أن هذه النظرة تميل إلى التشاؤمية، فإن هناك إحساساً ملموساً بالإحباط. ولكن إذا نظرنا إلى الأمور بواقعية، نعرف أن مشروعات التغيير لا تكون سريعة النتائج. والمهم هنا كيف يمكن أن يتقبل المجتمع نفسه ثقافة التغيير كمنظومة، وليس اختزالها في أشخاص أو مجموعات معينة.

وإذا كان الشباب يمثل الوقود الأساس لحركات التغيير والتطوير في المجتمعات، فإن الواقع يقول إن الشباب يتفاعلون بحماسة في خطواتهم الأولى، مثل ما حدث في الثورات العربية من نزول الشباب إلى الشوارع، ولكنهم لا يحققون نجاحاً في صنع بدائل جيدة وناجحة. ولذلك كان هناك من يترقب من بعيد، لاختطاف الفوز وتجييره لمصلحته. وهذا ليس استثناء، فالتاريخ يكشف لنا أن هناك من ينزل ويكافح، وآخر ينتهز الفرصة ويغتنمها. فالثورة تأكل أبناءها، كما يقول الثائر الفرنسي جورج جاك دانتون، وهو أمام مقصلة الإعدام.

إن ثقافة التغيير عمل اجتماعي أكثر منه سياسياً، وسطوة بعض المجتمعات العربية أقوى من السلطة. فهي نفسها تحارب التغيير، اعتقاداً منها أنه ليس بالإمكان أفضل مما كان. والمجتمعات المحافظة تتوجس من أي فكر حديث أو عمل تجديدي، لأنها تعيش فزاعة التغريب والتهميش..

ولذلك يتعثر كثير من مشروعات التطوير المجتمعية. وتبقى إشكالية الصراع بين الأصالة والمعاصرة في كل صورها، تسيطر على خطاب وعقلية النخب والعامة، برغم كل المتغيرات التي تحدث في العالم، والتسارع المخيف في التطور الاجتماعي والتقني.

ومهما كانت الصور مختلفة، فإن الشباب يبقى محوراً أساسياً في عملية التطوير لأي مجتمع. وقد بينت ثورة الطلاب في فرنسا عام 1968 التي كان لها تأثير في أوروبا كلها، أهمية وخطورة جيل الشباب ودوره، وفتحت الباب لتغييرات كبيرة في التعامل مع جيل الشباب، وفتح الفرص له ليشارك في صنع القرار. وحتى في دول العالم الثالث، دائماً ما كان الشباب هم الطليعة في فتح الأبواب لإحداث تغيير في مجتمعاتهم.

وثقافة التغيير لا يُقصد بها تقليد الغير في نقل مفهوم التغيير كيفما كان، فكل مجتمع له ظروفه ومعطياته المختلفة. وثقافة التغير في نهاية المطاف، منظومة من الأفكار والقيم تتفاعل مع بعضها، وتنتج تغييراً في حياة الإنسان، يفترض أن يكون إلى الأفضل.

ما يميز الشباب في أي مجتمع، أنهم الأكثر تقبلاً للتغيير. وتسهم الثورة المعلوماتية وانتشار شبكات التواصل الاجتماعي، في إيقاع أسرع لعالم متحرك، وانفتاح على تجارب وثقافات أخرى. ولذلك إذا أرادت المجتمعات العربية أن تصنع تغييراً للأفضل، فإن البوابة هي من خلال جيل الشباب. ففتح الفرص، وتشجيع المبادرات، ومنح هامش أكبر للحريات تسهم في وجود فضاء ومناخ أوسع لإطلاق مخزون من العمل الإبداعي والتجديدي.

فتح النوافذ وتقبل التغيير هو الأمل الجديد للأجيال الجديدة. جمالية الحياة في تعددها وتنوعها، وفتح المساحات الكافية يعطي مناخاً إبداعياً بدلاً من التقليدي. من الظلم أن يغلق المجتمع نفسه في الدوائر نفسها، لأنه اعتاد عليها فقط. اللون الواحد، والشكل الثابت يلغيان مساحات الإبداع والابتكار. التغيير سنّة الحياة، ولو حاولنا أن ننظر بعيون الآخرين، لاكتشفنا أنهم يرون أشياء لم نتمكن من أن نراها، فكثير من الحقائق يتغير بمجرد تغيير الزاوية التي ننظر من خلالها.

إذا أردنا تغييراً نوعياً في مجتمعاتنا، فيجب تقبل ثقافة التغيير، والتركيز على تقبل الانفتاح للأفكار الجديدة، ومحاربة الأفكار السلبية والدعوات المثبطة لعزائم الشباب. من هذه المنطقة تاريخياً قامت حضارات وانطلقت أديان، واستطاع أبناء هذه المنطقة أن يستوعبوا التغيير وقتها، ويفتحوا أكبر الإمبراطوريات، ويحققوا نهضة لدولة مزدهرة وحضارية. وليس صعباً على أحفاد هؤلاء أن يصنعوا إنجازات تصنع لتاريخ جديد، وتبني كيان الفكر وإنسان المستقبل.