في الوقت الذي يحتفل فيه الأميركيون في هذا الشهر بتاريخ السود، فيتأملون أحداثه وكفاحاته وشخوصه، صدر الحكم في قضية جوردون ديفيز المنظورة أمام القضاء، لينكأ جراحاً مريرة وربما يفرغ الاحتفالات من محتواها. فجوردون ديفيز، شاب أسود يبلغ من العمر 19 عاماً، كان ينتظر في السيارة ومعه اثنان من أصدقائه أمام محطة بنزين في جاكسونفيل بولاية فلوريدا..
وكانوا خلال انتظارهم، كغيرهم من الشباب حول العالم بالمناسبة، يستمعون لموسيقى صاخبة تخرج من راديو السيارة بصوت مرتفع للغاية. عندئذٍ، خرج من متجر المحطة رجل أبيض في الأربعينات من عمره، يدعى مايكل دان، وعاد لسيارته القريبة منهم، فطالب الشباب بتخفيض صوت الموسيقى، ففعلوا ما طلبه منهم، ثم ما لبثوا أن عادوا ورفعوا مؤشر الصوت مرة أخرى، فما كان من السيد دان إلا أن أخرج مسدسه وراح يطلق الرصاص عليهم حتى أردى جوردون ديفيز قتيلاً.
وخلال المحاكمة، لم ينكر دان مطلقاً أنه قتل جوردون ديفيز، ولكنه وصف نفسه بأنه هو الضحية. فقد زعم أنه طلب من الشباب تخفيض صوت الموسيقى فلم يفعلوا، ثم سمع من داخل السيارة عبارات خارجة. وهو قتل دفاعاً عن النفس، لأن الأولاد تحدثوا بلغة غاضبة وانحنى أحدهم فرأى طرف سلاح معه، هذا رغم أن الشرطة أثبتت أن سيارة الشباب كانت خالية تماماً من أي سلاح!
ورغم أن الضحية هو الشاب ديفيز، أي «من اخترقت الرصاصة رئته»، كما قال أحد الإعلاميين الأميركيين، ورغم أن الذي استخدم العبارات الخارجة ليس كمن استخدم الرصاص وقتل الغير، إلا أن الحكم الذي صدر ضد دان لم يدنه بالقتل وإنما أدانه «بمحاولة القتل»، بما يعني تخفيف الحكم من الإعدام إلى السجن، الأمر الذي أثار الكثير من الغضب والشعور بالظلم، لأن القضية واضحة والرجل قتل الشاب بالفعل ولم يحاول فقط قتله.
والحقيقة أن تلك ليست الواقعة الأولى من نوعها التي يتم فيها قتل شاب أسود بدم بارد، ثم تتم تبرئة القاتل أو تخفيف عقوبته. فالعدوان على الشباب السود من تلك الفئة العمرية قد تحول إلى ظاهرة في أميركا، كانت آخر حلقاتها قصة الفتى تريفون مارتن الذي يصغر ديفيز بنحو عامين..
وبدأت قصته وانتهت حين كان في زيارة لوالده في ميامي. حينها ذهب لشراء بعض الحلوى له ولأخيه الصغير، وفي طريق عودته للمنزل تبعه من يطلق على نفسه «متطوع» يساعد الشرطة «اشتبه» فيه. ووجه الاشتباه لم يكن أكثر من لون بشرته التي كان يمشى «بها» في ذلك الحى الراقي (!!).
وقد شعر الفتى مارتن بمن يتبعه فالتفت إليه وسأله عن السبب، وما هي إلا دقائق حتى كان الرجل قد أطلق عليه الرصاص وقتله. وفي البداية لم يتم القبض على الجاني أصلاً، رغم سجله الجنائي البائس. لكن تمت محاكمته لاحقاً تحت الضغوط المجتمعية، إلا أنه تمت تبرئته.
ومعاملة الشباب السود من تلك الفئة العمرية من جانب الشرطة ليست أفضل حالاً، فالشاب جوناثان فيريل مثلاً، اقترب من سيارة للشرطة طالباً المساعدة بعد حادث سيارة تعرض له، فكان نصيبه بعض الطلقات عن بعد، فقد تصور الضباط أنه مجرم والسبب لون جلده فقط.
وقد صارت ظاهرة العدوان على الشباب في تلك الفئة العمرية، تثير ذعر الطبقة الوسطى السوداء، لوعيها بأن ثقافة البيض لا تزال محملة بإرث الماضي، لم تتخلص أبداً من ميراث الماضي البغيض في العلاقة بالسود. فالصورة النمطية زمن العبودية كانت تعتبر أن تجمع العبيد بالذات من الذكور، معناه مؤامرة لقتل السيد أو اغتصاب نسائه.
ومع مرور الوقت تحولت الفكرة نفسها إلى ربط السود من الذكور تحديداً بالجريمة والمخدرات والعصابات، وغيرها من الأعمال غير المشروعة. وهو أمر يكرسه الإعلام، خاصة اليميني، بشكل مستمر في صور نمطية سلبية.
والحقيقة أن ما يكرس هذه الثقافة أيضاً، هو جهل قطاع واسع من البيض بالسود أصلاً. صحيح أن الفصل العنصري المقنن قد ألغي في الولايات المتحدة، إلا أن فصلاً عنصرياً واقعياً لا يزال قائماً حتى اليوم في الكثير من المناطق بأميركا. فهناك مناطق لا يرى فيها كل طرف الطرف الآخر مطلقاً ومن ثم لا توجد وسيلة أصلاً للتفاعل المباشر. وينتج عن ذلك أن يحصل الكثير من هؤلاء البيض عن معلوماتهم عن مواطنيهم السود من الإعلام.
وقد أدت سيادة تلك الصورة النمطية إلى شعور الأسر السوداء، بالذات من الطبقة الوسطى، بالخوف على أبنائها خصوصاً من الذكور. فلم يعد كافياً تنبيههم كما يفعلون دوماً، من أن حياة السود في أميركا ليست سهلة، وأن عليهم الحذر والحيطة. فقد صار عليهم حمايتهم بأشكال أخرى، من مجتمع صار يستهين بحياتهم أصلاً. وقد أدى ذلك لبروز ظواهر ذات دلالات بالغة الأهمية..
فالذي يتابع الشبكات الاجتماعية سيجد أن تلك الأسر صارت تقوم بجهد كبير لتفكيك الصورة النمطية السائدة لسود أميركا عموماً، وبالذات للشباب منهم. فتجد على «تويتر» مثلاً صوراً تضعها أم لأولادها الثلاثة، وهم يفعلون يقومون بما يقوم به كل الأولاد في مثل عمرهم من البيض..
وقد كتبت تحتها عبارة «هؤلاء هم أولادي الخطرون»، أو أم وضعت صورة لولديها السباحين بملابس السباحة، وكتبت تحتها «هؤلاء آدميون مثلكم»، وأم ثالثة كتبت تحت صورة ابنها الشاب الذي يرتدي ملابس الجيش الأميركي «هذا فعلاً شاب مثير للرعب».. وهكذا.
المحزن بالقطع في الأمر كله، هو أن ما تقرأه على ألسنة هؤلاء الأمهات يبدو معه وكأننا عدنا إلى ما قبل ستينات القرن العشرين، حين كان المطلوب من زعماء حركة الحقوق المدنية أن يقنعوا أصحاب البشرة البيضاء في أميركا أن السود آدميون مثلهم، ولذلك لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات. وهو أمر يسبب الكثير من الإحباط لسود أميركا، الذين أرادوا لأنفسهم أن يتحقق حلم مارتن لوثر كنغ.
لذلك لم يكن غريباً أن تدعو الكاتبة السوداء ترودي بورجيوز هذا الأسبوع، لوقف الاحتفال بتاريخ السود قائلة: «دعونا لا نهدئ أنفسنا بمجرد الاحتفال بالتاريخ، فنحن لم نقض على الصور النمطية، ولم نحقق تقدماً».