لكل أصحاب مهنة مجموعة من الضوابط التي تحدد توجهاتهم، ومساحة المناورة التي يتحركون فيها، سواء التزاما بنص هذه الضوابط أو بالاعتماد على روح النصوص، دون أن يكون ذلك خروجا عليها أو تجاوزا لها. والضوابط المهنية هي مجموعة القواعد التي تنظم العمل للمشتغلين بمهنة ما، وهي غالبا تشمل ما اتفقوا عليه فيما بينهم، سواء في شكل قانون ملزم، يستوجب الاحتكام إليه في حالة تجاوز هذه الضوابط، أو أخلاقيات مهنية تشين من يتحلل منها بين زملاء المهنة وعند الجمهور، حتى لو لم يكن ما قام به لا يجرم قانونا.
أهمية هذه الضوابط تأتي في بعدها الاجتماعي، الذي يتمثل في تماهيها مع المنظومة القيمية السائدة في المجتمع، الذي ينتج عنه بالتبعية رضى أفراده عنها ودعمهم لها، وهو ما يمكن أن نطلق عليه الشرعية المجتمعية، خاصة أنهم المعنيون في المقام الأول، ليس فقط بالمادة الإعلامية المقدمة، ولكن في الوقت ذاته بشكل وطريقة التقديم.
وفي عصر ما قبل البث الفضائي ومحدودية القنوات التي تصل إلى الجمهور، وفي ظل إعلام الدولة، كانت هذه الضوابط وتلك الأخلاقيات مصانة إلى حد كبير، إلا أن التغير الكبير الذي طرأ على المشهد الإعلامي، حين دخل الإعلام الخاص وهو أمر أثرى العمل الإعلامي بشكل كبير، وحين اقتحم المجال الإعلامي من اعتبره مشروعا تجاريا الغرض منه تحقيق الربح، وتعامل معه بمنطق العرض والطلب، وهذا المنطق يتعامل مع المادة الإعلامية كسلعة وليس كرسالة، وقد يكون ذلك مقبولا مع المشروعات التجارية وليست الإعلامية التي تفقد كثيرا من دورها حين تنطلق من منظور تجاري خالص.

الشاهد أن جزءا كبيرا من وسائل الإعلام، التي يضج بها عالمنا العربي، نسي أو تناسى الدور الحقيقي الذي يجب أن يقوم به، من منطلق أن الإعلام صناعة لا شك في ذلك، فهو يحتاج إلى رأس مال كبير وعمالة ماهرة ومدربة، إلا أنه في الوقت ذاته رسالة، وإغفال جانب الرسالة أو التغافل عنه أدى إلى فقدان الكثير من وسائل الإعلام العربية للأداء المهني، وتبني وجهات نظر أحادية الجانب والتركيز عليها والدفاع عنها باستماتة، دون إحداث توازن في التناول والعرض.
إن مفهوم الإعلام يعني الإخبار أو إحاطة الجمهور علما بما يدور حوله من مجريات الأحداث، حتى يتمكن من اتخاذ قرارات صائبة تجاه القضايا التي يتعرض لها، إلا أن الكثير من وسائل الإعلام العربية أصبح يجانبها الصواب في العرض الخبري، حتى في أخبار الطقس، سعيا لتحقيق مصالح أشخاص أو هيئات، متناسية حق الجمهور الذي يتابعها، للدرجة التي جعلت المشهد الإعلامي العربي مرتبكا ومضطربا وضبابيا وغابت المهنية، وكان البديل هو الاضطراب والتخبط.
والقضية الجدلية القديمة الجديدة، هي هل يجب على وسائل الإعلام أن تلبي حاجات الناس وتسير وراء رغباتهم، أم أنه ينبغي لها أن تقودهم وترتقي بهم؟ ولا شك أن ذلك يرجع إلى طبيعة النظام الإعلامي الذي تعمل وسائل الإعلام في إطاره، والذي يحدد إلى حد كبير السياسة الإعلامية للوسيلة، ولا يمكن القول إنه ينبغي للوسيلة الإعلامية أن تسير في أحد الطريقين دون الآخر، ولكن من الأهمية بمكان المزاوجة بينهما.
من المهنية كذلك أن يدرك الإعلامي الهدف الأسمى لرسالته وطبيعة المنظومة القيمية التي يعمل في إطارها، حتى يكون بحق نائبا عن الجمهور ويتحدث بلسانه، ذلك أن تجاوز الثوابت يفقد الإعلامي الالتفاف المجتمعي الذي يجعل لما يقدمه قيمة، ومن هنا كانت نسب المشاهدة وأرقام التوزيع هي المؤشر لالتفاف الجمهور حول المادة الإعلامية، غير أن اللعب على عواطف الجماهير ودغدغة مشاعرهم لنيل شعبية زائفة، هو من أخطر أشكال التخبط التي ستنكشف حتما، لأنه لا يمكن خداع الجماهير طيلة الوقت.
لذا فإن المسؤولية المجتمعية جزء أساسي من الأداء الإعلامي، سواء على مستوى الأفراد أو المضمون المقدم، بحيث تقوم وسائل الإعلام بما هو منوط بها من وظائف حسب احتياج المجتمع لهذه المهام، التي قد لا يعنى بها الإعلام الخاص، مثل التعليم والتوعية والارتقاء بالذوق أو ترشيد السلوك، أو التوجيه الاجتماعي والحفاظ على النسيج المجتمعي، وعلى المستوى الخارجي. كما ينبغي ألا تكون وسائل الإعلام العربية صانعة للأزمات ومصدرة للمشكلات، بل تكون دائما جزءا من الحل.
والحرية في الأداء الإعلامي لا تعني الإضرار بمصالح المجتمع داخليا أو في محيطها الإقليمي أو الدولي، فالحرية والمسؤولية صنوان حتى في أكثر الدول ديمقراطية، والشاهد ما قاله رئيس وزراء بريطانيا، حين قال: إذا كانت حرية الإعلام سوف تضر بمصالح بريطانيا فلا حاجة لنا بها.
وهذا نفس ما قاله الرئيس الأميركي جورج بوش الابن من أنه لا حرية إعلام لدولة في حالة حرب، وهو ما يجعل وسائل الإعلام الأميركية تتوحد جميعها حين تتعرض مصالح البلاد لأي تهديد، مهما اختلفت مع الإدارة السياسية التي تنتقد أداءها كثيرا.
كما أن أحد أسباب تردي الأداء الإعلامي في بعض وسائل الإعلام العربية، هو دخول عدد كبير من غير المتخصصين أو من لديهم دراية كافية بطبيعة مهنة الإعلام، وهو ما جعلنا نرى الإعلامي في أحيان كثيرة طرفا في ما يقدمه، ومتحيزا لرأي دون رأي، ودون أن يراعي التوازن والموضوعية في ما يقدمه، مما ينال من مصداقيته، فضلا عن ذلك فإن التخبط في الأداء أحدث أزمات بين مختلف الدول، وتحملت القنوات الدبلوماسية عبء إصلاح ما أفسده الإعلام، بعدما كان للإعلام دور يعتد به في وحدة الدول وتوحيد الشعوب.
لذا ففي ظل هذه الحالة من السيولة في المشهد الإعلامي العربي، ومع ما يحمله لنا صباح كل يوم من قنوات وصحف جديدة، اختلطت فيها الأهداف الخاصة والدفاع عن مصالح وفئات بعينها دون النظر كثيرا إلى مصلحة الجمهور، وذهبت في أهدافها بعيدا عن تحقيق تنمية ثقافية أو وعي مجتمعي، فإن وجود إعلام الدولة بمؤسساته الرسمية هو الذي يحدث حالة من التوازن، وهو الضمانة الحقيقية لتكريس القواعد المهنية، وإلا فإن البديل هو التخبط.