لم تصدمنا عودة "القرضاوي" إلى مهاجمة الإمارات وحكامها، تلميحا هذه المرة وليس تصريحا، والتعريض بها مع دول خليجية شقيقة أخرى اعتاد "القرضاوي" مهاجمتها، ووصف حكامها بأوصاف يعرف الجميع أنهم أبعد ما يكونون عنها.

كما لم يصدمنا إعطاء "القرضاوي" نفسه دورا وحجما أكبر من دوره وحجمه الحقيقيين، لكن الذي صدمنا فعلا هو وقوفه على المنبر نفسه الذي وقف عليه يوم الجمعة الرابع والعشرين من شهر يناير الماضي، ليلقي بشتائمه وإساءاته على دولة الإمارات العربية المتحدة، متهما إياها بالوقوف ضد كل حكم إسلامي، وسجن المتعاطفين معه.

كنا نعتقد أن استدعاء دولة الإمارات للسفير القطري، وتسليمه مذكرة احتجاج رسمية، وإعرابها عن استياء حكومة وشعب دولة الإمارات مما تلفظ به "القرضاوي" على منبر جامع "عمر بن الخطاب" في الدوحة، وبثه عبر تلفزيون قطر الرسمي، سيضع حدا لهذه الإساءات.

ويوقف بثها عبر قناة قطر الحكومية، خاصة بعد التصريحات التي أدلى بها الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، عن العلاقات بين دولة الإمارات وقطر، موجها رسالة إلى القيادة القطرية.

كي تسحب البساط من تحت أقدام الأصوات الشاذة التي لا تريد الخير للبلدين والشعبين الشقيقين، مؤكدا أن العلاقات الراسخة بين الأشقاء في دول مجلس التعاون الخليجيي، أكبر من أن تتأثر بالأصوات والمزايدات المغرضة.

لم نكن نتوقع أن يتوقف "القرضاوي" أو يكف عن مهاجمة الإمارات وغيرها من الدول الداعمة للشعب المصري في ثورته على حكم جماعة "الإخوان المسلمين"، وإسقاط هذا الحكم الذي لم يستطع أن يصمد أكثر من عام واحد، عمل خلاله على التسلل إلى كل مفاصل الدولة المصرية وإقصاء الآخرين.

وإفساد علاقاتها مع الدول الأخرى، لتحقيق الحلم الذي يراود الجماعة منذ أكثر من ثمانين عاما، إذ لم يصدق قادتها أن الفرصة قد واتتهم لتحقيقه، بعد أن ركبوا موجة ثورة 25 يناير 2011، فظنوا أن الدنيا قد دانت لهم، وأنهم قد أحكموا قبضتهم على مقاليد الأمور.

لكنهم لم يستطيعوا أن يقدموا ما يثبت جدارتهم بحمل أمانة "النهضة" التي ادعوا أن لديهم مشروعا لها، فبدا واضحا للعيان أنهم يعملون على تمزيق الأمة، بدءا من الشعب المصري نفسه الذي عانى من ويلات حكمهم، وليس انتهاء بالشعوب العربية التي كانت تراقب المشهد باندهاش وحسرة على ما يجري في مصر العزيزة، حتى ثار الشعب المصري مرة أخرى في 30 يونيو من العام الماضي، واسترد ثورته، ليعود لنا وجه مصر المشرق الذي لن يفلح إرهاب الإخوان والمتحالفين معهم في تشويه صورته والنيل منه.

كما لن يفلح المتآمرون من خلفهم في ذلك، حتى لو بدا المشهد حزينا وغائما، تغطيه الدماء التي تسيل من المصريين الأبرياء الذين يتعرضون لهجمات الإخوان وحلفائهم الإرهابية، هؤلاء المصريين الذين يقدمون كل يوم تضحيات كبيرة في سبيل إعادة وجه مصر المشرق إلى الواجهة مرة أخرى.

كي يقود الأمة إلى نهضة حقيقية، وليست وهمية كتلك التي ادعى الإخوان طوال الثمانين عاما الماضية أنهم يحملون لنا مشروعها الجاهز للتنفيذ، حتى إذا ما وُضِعت الجماعة ومشروعها على المحك انكشف وجهها الخادع.

نعم، لم نتوقع أن يتوقف "القرضاوي" أو يكف عن ذلك، لكننا توقعنا أن يضع الأشقاء في قطر حدا لهذه الهجمات والإساءات، فلا يسمحوا لمن يحمل جنسية بلدهم أن يهاجم دولا شقيقة، يجتمعون معها تحت مظلة واحدة؛ هي مظلة "مجلس التعاون لدول الخليج العربية"، التي توحدها نظرة مشتركة، وتجمع بينها أهداف واحدة، ويحكمها نظام أساسي واحد، يحدد أهداف المجلس في "تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين، وصولا إلى وحدتها، وتوثيق الروابط بين شعوبها، ووضع أنظمة متماثلة في مختلف الميادين".

فأين هو هذا التنسيق والتكامل والترابط وقطر تغرد خارج السرب وحدها، وتنطلق من على أرضها تصريحات وخطب تمزق الروابط بين شعوبها، وتسيء إلى دول أعضاء في هذا المجلس، دون أن تحرك قطر ساكنا، أو تخرس هذه الأصوات التي تسعى إلى شق الصف ودق الأسافين بين الأشقاء، لأهداف لا علاقة لها بمصلحة شعوب المنطقة والأمة العربية؟

إن إطلاق "القرضاوي" في خطبته الأخيرة على حكام الإمارات وأشقائهم قادة الدول الخليجية، وصف "الظالمين الذين يبغون في الأرض بغير الحق. الذين يسفكون دماء الناس، أو يدفعون المليارات لسفك هذه الدماء"، قد جاوز الحدود، وتعدى كل الخطوط التي يمكن أن يُسمح بها.

أما قوله إن "هؤلاء الناس تخيفهم الكلمة"، وتهديده "كيف لو جعلت خطبة لهؤلاء.. لو أفردت لهم خطبة سردت على الناس فضائحهم ومظالمهم..

ماذا يفعلون؟"، فهو وهم يعيشه "القرضاوي" والذين يدعمونه، ويفسحون لتهجمه منابر مساجدهم وقنواتهم التلفزيونية، كما أنه وهم يعيشه أولئك الذين يقفون خلف هذا كله، ويخططون له من وراء ستار، رغم أن وجوههم مكشوفة.

ويبقى ادعاء "القرضاوي" أن كل ما يهمه هو الإسلام والمسلمون، وأنه يريد أن يجمع الأمة بينما يريد الناس أن يفرقوها، وأنه يريد أن يبنيها بينما يريد الناس أن يهدموها، وأنه يريد أن يحييها بينما يريد الناس أن يميتوها..

يبقى هذا هو الوهم الأكبر الذي يعيش داخله "القرضاوي" وجماعته وحلفاؤه، وهو مرض نفسي عضال، والمرضى النفسيون أماكنهم في المصحات النفسية وليس على منابر المساجد، كي تتم معالجتهم وإعادتهم من الضلال إلى الهدى، وإن كنا نشك في عودة هؤلاء الضالين إلى طريق الصواب.