وقفة مع النفس مطلوبة بعد كل عمل جديد.
والوقفة المطلوبة ليست دوماً لجلد الذات وتأنيب النفس بل قد تكون مراجعة هادئة ومتزنة للذات وتقيم للإنجاز، حيث يرى الشخص نفسه بوضوح في ضوء ما حققه أو يسعى لتحقيقه ومن ثمة يراجع نفسه: هل هو سائر على الدرب الصحيح الذي رسمه لنفسه أم أنه يحتاج الى إعادة تصحيح للمسار؟ ما هي الإيجابيات التي نتجت عن هذا العمل أو ذاك وما هي السلبيات ؟ ما هي الدروس والعبر المستفادة من كل ما سبق تحقيقه ؟ هذه المراجعة مطلوبة في كل زمان ومكان.
حتى القافلة السائرة في الصحراء تحتاج بين الحين والآخر الى تصحيح المسار لتعرف اتجاهها الصحيح تماماً كما تحتاج العربة التي تقود القطار اليوم الى مراقبة دقيقة حتى لا تخرج عن مسارها وينتج عن ذلك ما لا تحمد عقباه.
القمة الحكومية جاءت كوقفة مع النفس، مراجعة هادئة للإنجازات السابقة قبل التقاط الانفاس ومواصلة السير نحو المستقبل بكل تحدياته وآماله. هذه الوقفة مطلوبة لأنها مرتبطة بمنظومة تطوير العمل الحكومي الذي تميزت به دولة الإمارات.
نجحت القمة الحكومية الثانية في بعث عدة رسائل مزدوجة لشعب الإمارات وللشعوب العربية وللعالم أجمع:
أول رسالة بعثتها القمة للداخل والخارج هي أن هناك في العالم العربي من يخطط جيداً للمستقبل ولا يسير عشوائياً، وأن النتائج التي تحققت في الإمارات سواء في مجال ريادة الخدمات الحكومية لم تأتِ من فراغ بل من تخطيط مسبق وتوظيف جيد واقتناص سريع لكل الفرص المتاحة. هذا التخطيط وتلك الاستراتيجيات والاستعداد للقادم من الأمور هو الذي أوصل الإمارات الى المكانة التي هي عليها اليوم .
ثاني رسالة بعثتها القمة هي أن هناك فعلاً حكومات موجودة في العالم العربي تفكر جدياً في رفاهية شعوبها وليس في شيء آخر. فقد جاءت القمة الحكومية كبارقة أمل للشعوب العربية جميعها.
فهناك شعوب عربية ما زالت تناضل لتحقيق ذاتها، وأخرى تأخرت كثيراً حتى استطاعت تشكيل حكومة وثالثة لم تستطع توفير الأمن والأمان المطلوبين لشعوبها. في خضم كل هذه الصعاب والمشاكل جاءت القمة الحكومية في الإمارات لتبث الدماء في العروق العربية مجدداً وتبعث الأمل في فجر عربي جديد.
فلم تستطع كل تلك الأفكار الحائرة والدائرة في العالم العربي أن تغطي على نجاحات الإمارات ولم تستطع كل تلك التيارات السائدة والتي تحمل في عروقها افكاراً تحث على العنف والطائفية والرجوع مجدداً الى أدبيات القرون الوسطى في طبيعة الأفكار الدموية السوداء التي تحملها أن تحجب الأفكار التنويرية التي حملتها جلسات القمة الحكومية.
فمصالح الشعوب دائماً تأتي في المقدمة ولا مجال في وسط هذه الأفكار لغير خير البشرية. فبينما كانت تلك التيارات تفكر في كيفية سفك دماء الآمنين والمدنيين كانت القمة الحكومية تفكر في كيفية أسعاد الناس وتوفير التعليم الجيد والخدمات الصحية المتميزة وأفضل تقنيات العصر التى تخدم الناس وتنفض عنهم العناء. فشتان بين قمة حكومية تسعد الناس وأخرى انعقدت لتشتيت الناس وترويعهم.
الرسالة الثالثة التي بعثتها القمة هي أن الانجاز والتميز لا يرتبط أبداً بالعمر الزمنى. فثمة دول تمتلك تاريخ عريق لم تستطع أن توظفه لخدمة الاستقرار والتنمية في مجتمعها وثمة دول جديدة وصغيرة في عمرها استطاعت أن تصل الى قمة الإنجاز وأن تواصل السير من قمة الى أخرى. هذه الرسالة مهمة جداً لأن الكثيرين يربطون بين عمر أي كيان والإنجاز المحقق في مجتمعه.
الرسالة الرابعة أن الحكومات عادة ما تنعقد لمناقشة الأوضاع الراهنة ولكن القمة الحكومية انعقدت لمناقشة المستقبل وآفاقه وتحدياته. فمن الملفات المطروحة كانت المواضيع الأكثر إلحاحاً مثل التعليم والصحة والخدمات المقدمة من خلال الحكومة الذكية وأخرى التقنيات الممكنة لرفاهية الناس.
رسالة خامسة بعثتها القمة للعالم أجمع وهو أنه توجد هناك في المنطقة دولة ترسخ أنموذجاً جديداً للشفافية الحكومية وترسي ممارسة مبتكرة في التواصل مع الجمهور حول القضايا الوطنية، حيث تطرح برامجها وخططها المستقبلية للجمهور لكي يبدي رأيه قبل تطبيقها.
والرسالة الأخيرة التي بعثتها القمة للعرب أجمعين ولكل من يأس من كلمة قمة هي أن هناك فعلاً قمماً إيجابية تسعى لإسعاد الناس ورفاهيتهم. القمة لم تكن لتقييم الأداء الحكومي بعد مرور عام على القمة الأولى وليس لمراجعة الإنجازات التي تمت بل لإشراك أكبر قدر ممكن من الناس والاستفادة من مقترحاتهم وملاحظاتهم في صنع القرار العام.
هدف آخر هو حث المسؤولين على التنافس الإيجابي من خلال عرض النماذج الريادية في الخدمات اما لتغطية النقص وتصحيح المسار أو لجمع الشركاء بين القطاعين العام والخاص والعمل على مقارنة وتقييم الأداء للحصول على افضل الخدمات الممكنة.
كما أن الخروج بتوصيات ممكنة التطبيق وتضمن مزيداً من التقدم في مجال الريادة الحكومية كان هو الهدف الرئيس الذي انفضت عنه القمة على أمل اللقاء في قمة أخرى.
أن وصول دولة الإمارات الى المراتب الاولى عالمياً ليس الهدف منه التباهي بالأرقام القياسية ولكن الوصول بالخدمات التي تمس حياة الناس الى الأفضل لتحقيق رؤية دولة الإمارات 2021 لتكون الإمارات أفضل دول العالم.