انفض سامر القمة الحكومية قبل أيام عدة بعد أن تحوّلت قاعاتها إلى مراكز إشعاع معرفي كبير وحفلت بالعديد من الأطروحات والنقاشات التي أضافت الكثير ونبّهت على الكثير، واستفاد من أراد الاستفادة بعد أن وجد خُلاصات التجارب الناجحة في متناوله، وعرّابي التغيير والتطوير المؤسسي من مختلف بقاع المعمورة على استعداد للمشاركة بما خَبَروا وما نجحوا به وكيف نجحوا.

الجميل أيضاً كان التكريم الذي جرى في نفس الفترة للمؤسسات الحكومية التي سارعت في تبنّي مفهوم الحكومة الذكية وتحويل أغلب خدماتها الموجهة للمجتمع إلى تطبيقات سهلة وعملية يتم تنزيلها على الهواتف الذكية، وهي مؤسسات يستحق القائمون عليها كل التحية والتقدير والتصفيق منّا.

ولكن ما كدّر من روعة تلك اللوحات الجميلة هي وفود بعض المؤسسات التي يكون جُل همّها أن تحضر في الصفوف الأولى وتسابق الآخرين في التصفيق بعد كل كلمة تُلقى، لكنّه تصفيق لدفع الحرج أمّا فهم ما قيل والمبادرة للعمل بمقتضاه فهو مما لا يمر ببالهم إطلاقاً وإن مرّ سيتم ركله بعيداً مع غسل الأرض خلفه ولسان حالهم يقول : "اللهم حوالينا ولا علينا"!

أقصى ما سيفعلونه حال عودتهم أن يقولوا لزملائهم في مجالسهم أو على مقاعد المقاهي: "لو سمعتوا بو راشد الله يحفظه شو قال"، ثم يسترسلوا في ذكر كلمة صاحب السمو الشيخ محمد أو سمو الشيخ سيف أو سمو الشيخ منصور، فماذا ننتظر من أشخاص همّهم الوحيد منافسة مراسلي الصحف في نقل الخبر فقط أما العمل بمضمونه وتوجيهه فلا دخل لهم به ولا دخل له بهم ؟

إن المبادرة بالعمل خصلة وليست مهارة تكتسب، لذلك من المهم أن لا نتوقع أن يتحرك المومياء دون عامل خارجي، ففي المؤسسات الربحية لا مكان للأموات الأحياء ولا موضع قدم إلا لمن يواصل بنفس وتيرة الحماس لمقارعة منافسيه حتى لا يجد نفسه خارج السباق فيسقط وتسقط مؤسسته ربما للأبد، أما المؤسسات الخدمية وتحديداً الحكومية فتفتقد نظراً لطبيعتها اللاربحية لعامل الضغط هذا، فالمسؤول وأتباعه سيحصلون على الراتب سواء اجتهدوا أم تقاعسوا، وهو الأمر الذي فطن له صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد،.

ووضع الوزارات تحديداً تحت عامل ضغط كبير قوامه أن تختار كل وزارة مؤشراً رئيسياً من مؤشرات الأداء لديها على أن يصبح الأول في مؤشر التنافسية العالمية بعد سنة واحدة، وأن تتقدّم جامعة الإمارات عشر مراتب في تصنيف أفضل 500 جامعة عالمية ليس مرّةً واحدة ولكن سنوياً!

لا معنى لمؤسسة لا تتعلّم من تجارب الآخرين الناجحة، ولا معنى لمؤسسةٍ تتعلّم لكنها لا تحوّل تلك المعرفة فوراً إلى سلسلةٍ من اجراءات التنفيذ للاستفادة منها، فالطموح لا يولد في العقول الفارغة ولا يُثمر في النفوس التي ارتضت أن تكون مع بقية القطيع، والعظماء لا يتوقفون عن العمل وعن السعي لبلوغ القمة ولا تسمع منهم إلا التشجيع للآخرين للحاق بهم، أما الصغار فهم من يشعر برعبٍ كبير كلما فكروا -مجرد تفكير- أن يبتعدوا عن منطقة راحتهم ويعملوا للحاق بمن سبقهم من المجتهدين لوضع بصمتهم على مسرح الأحداث.

إنّ الفُرَص لا تختار إلا الأفراد المستعدين لها معرفياً ونفسياً، ولا فائدة من فرص تأتي وتذهب إن كانت خيارات الإنسان دوماً لا تنتقي إلا الجمود على الوضع الذي اعتاد عليه ولا يبحث إلا عمّا يُرسِّخ ذلك الوضع حتى لو تجاوزه الزمن وسبقه من حوله.

فأعظم خطر يواجه المؤسسات كما يقول آندي غروف في كتابه "وحده المذعور من يبقى حيّاً" يتمثل في أن تقف المؤسسة مكتوفة الأيدي ولا تُغيّر ساكناً بينما يتغيّر البقية، حينها حتى مواردها الكبيرة وإمكانياتها المتميزة لن تصبح ذات فائدة إن تغيّرت قواعد اللعبة ولم تتغيّر هي.

إن القائد الواعي هو من يبقى يقظاً لتغيّرات البيئة المحيطة به ليتكيّف ومؤسسته معها، فالقبطان الذي لا ينتبه لتغيّر اتجاه الرياح سيجد سفينته تتحطّم قريباً على صخور اليابسة، وكما يتساءل غروف نتساءل معه: "كيف بالإمكان أن تتحمّس لاقتفاء قائد مؤسستك إن كان يدور في حلقةٍ مقفلة ".

إنّ أصحاب عقلية "إن شاء الله بنسوّيها" أو "نحن بدينا وضع الخطّة وقريب بنبدأ" أو "عندنا استراتيجية مبنية على أفضل الممارسات العالمية" لا يُغالطون إلا أنفسهم، فتأكد أنه لا توجد لديهم خطة ولا هم يحزنون ولن يأتي ذلك "القريب" .

لأنه يعرف أنه لا يعدو أن يكون شمّاعةً يستغلها هؤلاء لرفع الحرج عن أنفسهم وخروجاً من مأزق المقارنة مع الناجحين، أما الاستراتيجية فهم لا يعرفون إلا نُطقها ويتمتمون بها كثيراً لأنها تُظهرهم في ثوب "الفاهم" ولو سألت أحدهم أن يعطيك الخطوط العريضة لتلك الاستراتيجية لرأيته يلتفت لسكرتيره بعد أن "يتوهق" وهو يقول : "هات الكتاب العود اللي مسوّنه الاستشاري".

 هم لا يزال لديهم يقينٌ خفي أن الأمور ستعود كما كانت عليه في السابق الذي ما زالوا يعيشونه ويتنفسونه ويقدسونه، وأن كل ما يجري من سعي حثيث للتكيّف مع التغيير وتطوير أُطر وأساليب العمل لا يعدو أن يكون "صرعةً" و"موضةً" لن تلبث أن تنتهي وينفض سامرها وتعود العقول إلى رُشدها لكي تنام في أحضان الأساليب القديمة البالية، هؤلاء "الضيوف" على تجمعات الناجحين وملتقياتهم لا يكترثون كثيراً لحركة الآخرين.

ولا يتصبّب جبينهم عرقاً عندما يرون تحليق المميزين بعيداً عنهم، وكأنهم يعتقدون أن العمل اختصاص غيرهم و"الفُرجة" هي مهمتهم الوحيدة، وكأني بالفيلسوف الانجليزي سير فرانسيس بيكون كان يعنيهم عندما ذكر مقولته الشهيرة حتى "يُصحصح" الضيوف: "في مسرح البشرية هذا، وحده الله والملائكة من يحق لهم النظر والمتابعة".