مع انتهاء أعمال القمة الحكومية الثانية التي احتفت بها دولتنا الأسبوع الماضي، والمبادرة على الفور للإعلان عن برنامج القمة الحكومية الثالثة العام المقبل، توقفت كثيرا عند معنى عميق وقيمة حضارية إماراتية تكرر التأكيد عليها كثيرا في كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، ونائبيه سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، وسمو الشيخ منصور بن زايد، وغالبية الحضور في مختلف جلسات القمة، ألا وهي قيمة الإبداع والابتكار في العمل الحكومي.
قيمة الإبداع والابتكار تضيف الكثير إلى العمل الوطني، وخاصة في مجال الأفكار الجديدة والتعامل مع التحديات المختلفة التي تواجه مسيرتنا الوطنية، كما أنها ذات أهمية بالغة في تعميق وتعزيز الحس الوطني في بيئات العمل المختلفة، وغيرها من مناشط الحياة اليومية والعامة.
لكن أبرز ما يستوقفني هنا، هو أهمية قيمة الإبداع والابتكار في الشق الحكومي من العمل الوطني، حيث تتلاقى الرؤى والأفكار لتشكل معا مسارا مختلفا من الإنجازات التراكمية، التي تخدم الدولة والمواطن وترفع اسم الوطن عاليا بين الأمم.
ربما تكون فكرة استخدام الطائرات بدون طيار لتوصيل بطاقات الهوية أحد الأمثلة، ولكنها ليست الأولى فقد سبقتها فكرة استخدام البصمة في الدخول والخروج من مطار دبي، بمنظومة تقنية طورها أبناؤنا في إقامة دبي، ولا ننسى فكرة "سالك" التي تؤمن تحصيل مستحقات الطرق دون تعطيل أي مركبة عليها، بفضل اعتماد فريق التطوير (الإماراتي) على تقنية التعرف الراديوي.. ولا يغيب عن البال النظام المحوسب العملاق لإدارة المناولة، الذي أشرفت على تطويره أيادٍ إماراتية لإدارة عمليات المناولة في ميناء جبل علي، ولا نتوقف هنا عند الأفكار العملية المبتكرة، التي بدأ فريق من مهندسي الإمارات تقديمها في مشروع القمر الصناعي "خليفة سات"، الذي سيتم تصميمه وتصنيعه بأيدٍ وإمكانيات إماراتية خالصة.
هذه كلها أعمال وطنية جليلة، وقد ذكرت أمثلة عليها ليس إلا، لكنني أريد أن أناقش الأمر من زاوية أخرى. فنحن لا نتحدث فقط عن الإبداع والابتكار في الاستخدامات التقنية رغم أهميتها، وإنما من المهم أيضا أن نعزز ونعمق ثقافة الابتكار وقيمة الإبداع في الأفكار والممارسات الوظيفية بشكل عام، دون أن نهمل الأنشطة الوطنية غير الوظيفية التي تحتاج هي الأخرى لرفع مستويات الإبداع فيها.
أحد الاعتبارات المهمة هنا يتمثل في أن الأفكار الجديدة، وترسيخ منطق الإبداع والابتكار، تعزز صورة الدولة باعتبارها بيئة حاضنة للتميز، وهذا ما ينعكس إيجابيا ليس فقط في البعد الاقتصادي والخدمي، وإنما في البعدين الاجتماعي والتربوي أيضا، مما يرفع تلقائيا من سوية تعامل أجيالنا الشابة مع الأفكار والأعمال المنتجة، من خلال ما يتطلبه الابتكار والإبداع من فهم تطبيقي أعمق لكل فكرة وكل هدف.
أما النتيجة الثانية فهي أن الإبداع يرفع تلقائيا مستوى ما تقدمه مؤسسات الدولة من خدمات وأعمال للجمهور، وهذا مسار طبيعي لكنه إلزامي في معادلة التميز التي اختارتها لنا قيادتنا الرشيدة. وسأذكّر بما قاله سمو نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، من أننا في الإمارات نسعى لقلب المعادلة وتحقيق هدف إرضاء الجميع، ومثل هذا الهدف لا يمكن أن يتحقق دون إبداع في الفكر وابتكار في التطبيق.
لكن كيف نعزز قدراتنا كأفراد ومؤسسات على تقدير الأفكار الجديدة وإدماج الإبداع والابتكار في طريقة عملنا اليومية ونمط حياتنا المتواصل؟ دعونا هنا نذكر بقيمة إماراتية أخرى من قيم التميز التي جبل عليها تراب هذا الوطن، وهي قيمة الإتقان. فأولى مراحل الإبداع والابتكار هي أن تعرف عملك جيدا حد الإتقان، ومن هناك، من هناك فقط، يمكنك أن تخطو خطواتك الأولى والكبيرة نحو إبداع أفكار جديدة، وابتكار تطبيقات حديثة.
في المجال الوظيفي/ الخدمي، هذا يعني أن تكون متميزا في عملك، وأن تحول هذا التميز إلى فكرة تطبيقية جديدة تفيد فيها الوطن والعمل والمتعاملين.. فكر مثلا في طريقة تختصر بها وقتك ووقت المراجعين، أو توفر بها موارد الإدارة التي تعمل فيها، أو تزيد من كفاءة عملية إدارية معينة، أو تعمق تواصل جمهور المتعاملين مع إدارتك.. تذكر كيف يمكن لفكرة بسيطة مثل إرسال بطاقة تهنئة بالأعياد والمناسبات الوطنية إلى مراجعي إدارتك أو تذكيرا بمواعيد مراجعتهم للإدارة، أن تحسن التواصل وتخدم مجمل العملية الإنتاجية.. وهذه فكرة بسيطة، فكيف بالأفكار الأكثر تقدما وتطويرا!
في المقابل، لا ينبغي أن نغفل المجالات العامة وغير الوظيفية، وخاصة مجالات تعميق الانتماء وتعزيز الولاء للوطن والقيادة، وسأذكركم بالفكرة البسيطة الجميلة التي قدمتها إحدى بنات دولتنا الحبيبة وتجاوب معها سمو أولياء العهود في اليوم الوطني الماضي (فكرة مرور علم الدولة عبر كل الإمارات بحيث يسلمه ولي عهد الإمارة إلى ولي عهد الإمارة المجاورة).. فالفكرة بسيطة ولكن مضمونها كان رفيعا ومعبرا، بحيث تجاوب معه كثيرا سمو الشيوخ وتحولت إلى عنصر أساسي في احتفالات الدولة باليوم الوطني.
المطلوب حين نبدع ونبتكر، أن نفكر بشكل مختلف خارج الصندوق ولكن في نفس الدائرة، ففي كل فكرة جديدة هنالك خدمة وطنية جديدة، ومع كل تطبيق واستخدام مبتكر نخدم وطننا أكثر.