أصبح موعد انعقاد القمة الحكومية السنوي محط أنظار كل الراغبين في نهضة وبناء مجتمعاتهم، لذا فقد تخطت القمة الحكومية الحدود الجغرافية للإمارات، لتصبح منتدى عالميا لصناعة الأفكار وتبادل الخبرات، ليس على المستوى الإقليمي فقط، ولكن على المستوى العالمي، وهذا ملمح يجب النظر إليه، لأن عبقرية التجربة الإماراتية في الإنجاز الحكومي.

تأتي من أنها تخففت من كافة الأثقال التي تحد من انطلاقها، فلم تتلون بلون إيديولوجيا يجعلها تسير في مسار واحد مهملة أي تجارب ناجحة بعيدة عن هذا التوجه، فانفتحت على كل التجارب الدولية بعقل مفتوح، فراحت تأخذ الحكمة أيا كان مصدرها، ولم تهمل صوت أبنائها المبدعين، وأكد على ذلك صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، حين قال: سُئلت من أين تأتي بأفكارك؟ فأجبت: منكم ومن أفواه الناس وممن أزورهم في أماكن عملهم.

الجانب الآخر أن نموذج العمل الحكومي في الإمارات تحرر من جمود المصطلحات الخشبية، التي تستخدمها عادة المؤسسات الرسمية في كثير من الدول، والغامض منها يفوق الواضح، وغير المفهوم يربو على المفهوم، وكأنه مقصود ألا يفهم المواطن منه شيئا لكي يسلم بصعوبة المشهد الذي يفوق قدرته على الفهم والاستيعاب.

وكانت النتيجة هي أن الحكومات أصبحت تعمل في واد ببنياتها ولغتها وأرقامها، والجمهور المعني بمخرجاتها في واد آخر، وانعدم التفاعل والتواصل الواجب، وصارت الشعوب لا تعرف عند الأزمات كيف تساعد حكوماتها، لأنها تسمع دائما أنه لا أزمة، وكأنها أمر مخجل، على الرغم من أنه يغرق فيها حتى الرقبة، وعند الإنجازات لا يري غير أرقام لا يدرك دلالاتها، ولا يتعدى تأثيرها مداد الحبر الذي كتبت به، ولا يري أثرا لها على مجريات حياته اليومية.

من هنا كانت عبقرية التجربة الإماراتية في وضوح هدف القيادة، الذي عبرت عنه في بداية القمة الثانية، وهو صناعة الأمل، كما حددت المهمة الرئيسية لعمل الحكومة بوضوح، وهو الانتقال من رضى المتعاملين إلى إسعادهم، وهو ما يمثل جوهر العلاقة التي يجب أن تسود بين الحكومات والمواطنين، حيث يتطلع المتعاملون للحصول على أفضل الخدمات بسهولة ويسر، مما يفرض تحديا على الحكومات لتلبية هذه التطلعات من خلال قنوات إبداعية، ووسائط ذكية، وفتح آفاق تفاعلية، واستخدام وسائط ذكية، تصل إلى المتعاملين وتحقق لهم السعادة.

هذا الوضوح في الرؤية يعتبر المرجعية التي يقاس عليها مدى تحقيق الأهداف، دون الدخول في طلاسم اللغة ومتاهات الأرقام والنسب التي لا يعني المواطن منها إلا ما ينعكس على مجريات حياته اليومية في تعاملاته. ولذلك لم يكن محض صدفة أن تتصدر الإمارات القياسات الدولية في ما يتعلق بالرضى عن الخدمات، أو الشفافية، أو سعادة شعبها.

الإشكالية الأخرى التي تعودنا عليها من البيروقراطية الحكومية في العالم العربي، هي انسداد في قنوات التواصل بين المستويات الإدارية من أسفل إلى أعلى، أو مرورها بمرشحات تقضي في طريقها على كل فكرة مبدعة قبل أن تصل إلى صاحب القرار، إن لم تقض على الدافعية للفكر المبدع في الأساس، فضلاً عن صعوبة الاتصال الأفقي والتنسيق بين الإدارات بعضها وبعض، والعمل كجزر منعزلة مما يبدد الجهد والوقت ويصنع التضارب، وهو ما تجاوزته التجربة الحكومية الإماراتية باتباع سياسة الباب المفتوح، التي تجعل الوصول إلى القيادة الحكومية في أعلى مستوياتها أمرا متاحا، فضلاً عن سعي القيادة نفسها إلى أصحاب الأفكار ورعايتها منذ أن تكون فكرة، إلى أن تصبح عملاً كبيراً ينفع أبناء الوطن ويضيف إلى رصيده الحضاري، وآية ذلك الدكتورة مريم المنصوري التي ابتعثتها الدولة لدراسة الطب في أميركا ورعتها طوال فترات الدراسة، لتعود وقد حصلت على براءة اختراع أنبوب للقسطرة هو الفريد من نوعه عالميا..

فضلاً عن التنقيب عن التميز وأصحابه، ونشر ثقافته، ورصد الجوائز لأصاحبه في مختلف دوائر ومؤسسات الدولة.

ولأن الإمارات كانت دوما حاضرة في محيطها العربي والإقليمي حيثما كان المجال، لإضافة رصيد نوعي للمواطن العربي، بل والإنسان في عمومه، تجد الإمارات قرينة له، لذا فقد خرجت القمة الحكومية الثانية من الإطار الوطني إلى المحيط العربي، لتتلاقح الأفكار وتتبادل الخبرات والتجارب مع الأشقاء والأصدقاء، لما فيه صالح الأوطان والمواطنين في كل بلد، فتحولت من قمة حكومية إلى منتدى عالمي لصناعة مستقبل أفضل للبشر، وملتقى سنوي لتبادل الخبرات، وتجمع معرفي محلي وعالمي لمناقشة أفضل السياسات وآخر التطورات والاتجاهات الحديثة، لتحقيق رفاهية وخير المجتمعات.

ولا شك أن هذا الحضور الكبير لمختلف المستويات الإدارية، له دلالة يجب التوقف عندها، لأننا اعتدنا في العمل الحكومي العربي أن تكون أروقة التخطيط وصناعة القرارات شديدة الضيق، بحيث لا تستوعب إلا نفرا قليلًا، دون أن يتم إشراك القطاعات كافة بمختلف مستوياتها الإدارية لكي يتحملوا بالتبعية نتيجة قراراتهم، وهو ما تجاوزته القمة الحكومية.

وهذه رسالة واضحة للدوائر كافة بأهمية إشراك الجميع في الرؤية والاستراتيجية التي يتفرع عنها الخطط، لأنهم في الأخير هم من سينفذونها ويتولون إيصالها للجماهير، وهو الضمانة الكبرى لإنجاحها واستمرارها.

إن عبقرية التجربة الإمارتية تتضح أكثر إذا فتحنا عدسة الرؤية لنرى المشهد الإقليمي والدولي، لنرى غيرنا لنعرف أين نحن.. ولا شك أننا سنجد من حولنا قمما عديدة تعقد لحقن الدماء ووقف الخراب والتدمير والقتل الذي قضى على الأخضر واليابس، قمما تعقد لوقف نزيف الدماء الذي لم يترك طفلاً ولا امرأة، وهو ما يصيبنا كثيرا بالأسي والحزن، الذي لا يبدده غير هذه الصورة المشرقة لوطن يعقد كل عام قمة ليحقق لشعبه وشعوب أمته المزيد من الرضى والسعادة، عبر البناء لا الهدم والتعمير لا التدمير..

وهذه هي عبقرية التجربة الإماراتية، أن بوصلتها دائما متجهة لما فيه صالح الشعوب ونماء البشرية، والتي جاءت من الوضوح الشديد في الرؤية وتوحد الهدف، حيث إن الإمارات لديها أفضل فريق عمل واحد، طلابه رجال، وموظفوه قادته، غايتهم واحدة وهي صناعة الأمل وإسعاد الناس.. وأكرم بها من غاية.