مبلغ علمنا أنه لم يسبق للمشاركين في مفاوضات التسوية الفلسطينية أن نشروا المحاضر الرسمية للجولات التي عقدوها خلال العشرين عاماً الماضية.
فباستثناء ما أورده بعضهم بهذا الخصوص في أحاديث صحافية أو في ندوات للعصف الذهني أو في كتب للذكريات الشخصية، ليس ثمة أدبيات أو وثائق، تتناول تفصيلات ما دار خلف الأبواب المغلقة.
والنتيجة أننا لا نعرف إلا النزر اليسير عما تم تبادله تحديداً، وبشكل دقيق من مطالب ودفوع ومحاججات ومساومات، بشأن القضايا الخلافية موضع التفاوض. كان التقليد المتداول ومازال أثناء الجولات التفاوضية أو في ختامها، هو خروج المتفاوضين بشكل أحادي أو جماعي على الملأ بحصيلة نهائية لما تم الاتفاق عليه والاختلاف حوله.
وعادة ما تلزم هذه الإطلالات جانب الغموض والإيجاز والحذر وروح التعميم. حتى إنها تثير أسئلة بأكثر مما تقدم من إجابات. هذا الضن بالمعلومات يعد مسؤولاً عن فتح باب الظنون والتقولات وإطلاق العنان لخيال المتابعين، ومقاربة نيات المتفاوضين وتأويل كل شاردة وواردة عنهم طبقاً للأهواء والأجندات المختلفة، بالحق قليلاً وبالباطل والبهتان كثيراً. وفي سياق عشوائي كهذا، راجت بضاعة ما بات يعرف بالمحللين والمراقبين وأصحاب الاجتهادات.
وبلغت السخافة ببعض هؤلاء، وما يتصل بهم من أدوات صناعة الرأي العام، حد ادعاء الدراية بما وراء الكواليس وابتداع محاضر عما قيل بالحرف على طاولات التفاوض.
فما دام المفاوضون قد آثروا الصمت والكتمان، فإنه لا سلطان لهم على أحد من طلاب الشهرة والسبق السياسي، أو الإعلامي الدعائي. ندري تماماً أن معظم أنماط التفاوض، لاسيما بشأن القضايا شديدة الحساسية، لا تدور في الساحات والميادين العامة أو أمام الكاميرات. وأنها تقتضي السرية منعاً للغط والتشويش أو التأثيرات السلبية المحتملة الهبوب من جهة أو أخرى.
غير أن القضية الفلسطينية بحاجة فعلية لشيء من الاستثناء في هذا الإطار. ذلك، مثلًا، لتعلق تداعيات أهم أبعادها، كالقدس واللاجئين، باهتمامات خلق كثيرين إلى جانب الطرفين المباشرين الاسرائيلي والفلسطيني.
ثم إن وقوف الرأي العام على الضغوط والابتزازات التي يتعرض لها الفلسطينيون، يمثل وقاية قوية لهم في وجه الاستقواء الظاهر بلا مواربة من جانب الأوساط الصهيونية بمعناها العالمي.
المتوقع في كل حال أن المفاوض الفلسطيني يعاني الأمرين، جراء مواجهته عدواً اشتهر بالاستقواء والتبجح والمراوغة والحرص على السرية واستبعاد الوسطاء وعزل الأطر المرجعية الحقوقية الدولية على الصعيدين القانوني والتنظيمي.
هذا بالإضافة إلى انطلاقه من رواية للصراع، تحتاج إلى طاقة جبارة من الصبر وكظم الغيظ، بالنظر إلى حمولتها الفائضة من الإفك والتدليس.
بالمصادفة البحتة وقفنا على شيء من هذه المعاناة، بين يدي المناظرة الحادة التي جرت بين كبيري وفدي التفاوض تسيبي ليفني وصائب عريقات، خلال ندوة عقدت مؤخراً في إطار منتدي ميونخ للأمن في ألمانيا.
فقد طلبت ليفني من عريقات التوقف عن استخدام مصطلح الضفة الغربية الفلسطينية، معتبرة أن المقصود بهذه المنطقة ليس سوى "يهودا والسامرة". ومضت إلى ضرورة انصراف الفلسطينيين عموماً عن تسمية مدن يافا وحيفا وعكا بأسمائها العربية، وأن ينسوا حلم العودة إليها.
إجمالاً، عبرت ليفني عن غضبها من المفهوم الفلسطيني للصراع، واستفزت كبير المفاوضين الفلسطينيين، حين سردت على مسامعه جانباً من الرواية الصهيونية المغشوشة لتاريخ وطنه.
فما كان من الرجل إلا أن رفع في وجهها ما يؤكد استعصامه بالرواية التاريخية العربية الفلسطينية لهذا الوطن، مشيراً إلى المغالطات الفجة في روايتها؛ مطالبا إياها بالذهاب إلى الأمم المتحدة لتغيير اسم دولتها إذا ما أرادت أن تحولها إلى دولة يهودية صرفة.
مثل هذا القصف والتراشق بالروايات والتواريخ بين عميدي التفاوض، يعطينا فكرة قوية عما يدور بينهما وفريقيهما داخل القاعات والأروقة المغلقة.
وإذا ما سعينا للاستدلال بما هو معلوم على ما هو مجهول، تأكدنا من أن هذه القاعات والأروقة تكاد تكون مناطق للتماس الساخن بين روايات شديدة التناقض والتباين. وهذه ليست مهمة التفاوض ولا مهنة المفاوضين. فالأصل في هذه المهمة والمهنة هو السعي إلى تطبيق الشرعية الدولية والقوانين والقرارات الحقوقية التي تقضي بين الفرقاء.
وإذا ما ترك حبل المفاوضين على هذا النحو الجدالي، فلن تصل المفاوضات إلى أية غاية إيجابية أو محطة للتسوية المنصفة. اسرائيل تفاوض من منطلق رواية أو سردية شبه خرافية، ولكن مفاوضها يحمل هراوات ثقيلة. و
هو يرغب في إملاء روايته على مفاوض فلسطيني عار من أسباب القوة، و"منخلع" من موروثه التاريخي، يستمع وينفذ بلا تعقيب، بعيداً عن أي رقيب أو حسيب أو وسيط نزيه. وهذه وصفة مثالية لمن أراد الوصول بآلية التفاوض إلى طريق مسدود.