ليست العملة فقط مزيفة، بل العملاء أيضاً. ولهؤلاء قصة بدأت بتحرير أفغانستان من الكفرة السوفييت، وها هم يحررون بلاد العرب من.. العرب! فجروا، أو هكذا قيل، برجي نيويورك، وهاهم يتسببون في إقامة أبراج من جماجم البشر في أرض العرب. سال دمهم في جبال وشوارع مدن عربية كثيرة، ما عدا القدس ونابلس وحيفا وعكا.. لكأن ثمة عدوا للعرب والمسلمين غير الذي اغتصب فلسطين ويحتل الأقصى.
الظاهرة مربكة، والربط بين ما فعلوا وبين ما يجب أن يفعلوا يضع علامات استفهام كبيرة حولهم أولئك المتأسلمين الجدد.
فقد لعب هؤلاء دورا في تقسيم العراق منذ بداية احتلاله.. ولا تعرف كيف تركوا "أرض الجهاد" في أفغانستان وانتقلوا إلى العراق تزامنا مع احتلاله! من أوعز لهم ومن مولهم ومن فتح لهم الطريق ومن أمدهم بالسلاح والزوجات والأبناء؟ ومن حلل لهم زواج النكاح واغتصاب القاصرات؟ وكيف اخترعوا أديانا تشوه الدين بدعوى الجهاد ضد مسلمين؟!
بعد العَلم ولوحات السيارات المسروقة التي تحمل علم واسم دولتهم، أصدر تنظيم ما يسمى "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش) عملة خاصة بولاية الأنبار. جاء الكشف عن الدينار على لسان رئيس مؤتمر صحوة العراق أحمد أبو ريشة، أحد شيوخ عشائر محافظة الأنبار الغربية، حيث عرض على الحاضرين في مؤتمر صحافي، صورة للدينار من هاتفه النقال، وفي أسفل يمينه صورة لأسامة بن لادن مع شعار الدولة "وتوقيع وزير مالية داعش". وأضاف أبو ريشة أن الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام، تجري من خلال الجيش والشرطة، بدعم العشائر التي تقف مع سيادة الأمن والقانون وهيبة الدولة، في كبح الإرهاب والقضاء على داعش، وتطهير الرمادي والفلوجة من شرها وخلاياها النائمة، بحسب قوله.
نفهم أن الصحوات في العراق قامت في المدن إثر الفراغ الأمني الذي تلا انسحاب قوات الاحتلال، وأفراد هذه الصحوات من أبناء العشائر، لكن كيف نفهم وجود مسلحين من بلدان لا علاقة لهم بأرض وتاريخ العراق في العراق أيا كانت الطائفة التي تحكمه؟
إن الصحوات أمر واقع يجسد هدف الاحتلال في تقسيم العراق بين شيعة وسنة وأكراد، أما "داعش" وأخواتها من تنظيمات فما هي إلا مرحلة ما بعد التقسيم، وتتمثل في خلق بؤر صراعات لا تنتهي، تماما كما وضع الاستعمار القديم ألغاما سياسية على الحدود المصطنعة بين دول سايكس ـ بيكو، فنشبت حروب بين كل دولة وجارتها، سواء لصراع على الأرض أو على السيادة أو على النفط. ولا تزال هذه الألغام الحدودية قائمة حتى الآن، جاهزة للانفجار في أية لحظة.
أما في الضفة الثانية من "دولة داعش"، فحدث ولا حرج. فقد تبرأت القاعدة من فرعها العراقي، بعد أن دخلت "داعش" في حروب مفتوحة مع الجميع، وارتكبت من العنف والقتل ما بات عصياً على الاحتمال والتبرير، وذلك بعد أن ظهرت مؤشرات تحوّل مركز "الجهاد العالمي" إلى المنطقة، وهو الذي استقر لثلاثة عقود في أفغانستان وباكستان، وبزعامة أبي بكر البغدادي (الكرار)، الذي يرتدي لباس المعارك ولبوس الجهاد والتكفير الأعمى، بدلاً من أيمن الظواهري، الذي تُظهر رسائله المتلفزة أنه يحظى برغد العيش ونظافة المأكل والمعاش واللباس.
وقد جاء تبرؤ القاعدة من "داعش"، بعد أن اصطفت قوى سورية، بما فيها الفرع السوري للقاعدة (النصرة)، في جبهة متحدة ضدها، مدعومة بتحالف إقليمي ودولي، ضم داعمين تقليديين لـ"قاعدة الجهاد"، إلى جانب دول عربية وإقليمية وعواصم القرار الدولي. ويبدو أن "داعش" تخوض حربا انتحارية "جماعية"، فيما لا تريد القاعدة التورط فيها.
إنها الفسيفساء العربية تتكسر، طوائف وجبهات وجماعات واجتهادات. من يستطيع أن يلملم القطع ويبعث الحياة في الجسد الذي تمزق؟ وإلى أي مدى يمكن للدول التي لا تزال متماسكة أن تتحمل؟
في الماضي كانت فلسطين هي القضية العربية المركزية، وكان ثمة ما سمي دول الطوق المحيطة بالكيان الإسرائيلي، لكن الطوق أصبح يخنق العرب تدريجيا منذ مؤتمر مدريد، وقبله كامب ديفيد وبعده أوسلو ووادي عربة، وما بينها من مفاوضات مع إسرائيل في طابا وأنابوليس والقدس و.. جنيف! من يتفاوض الآن في جنيف؟ وعلى ماذا؟ وإلى أين؟!
تباً لما وصلنا إليه من ذل.. سٌحقاً للسلام الذي جنحنا إليه فقصت أجنحتنا، وتحطمنا دولا وجماعات.. ونصرة وقاعدة و.. داعش!!