تمر منطقة الشرق الأوسط بمتغيرات سياسية هائلة، وتغيرات في موازين القوى. وراج الحديث مؤخرا عن خلافات سعودية أميركية، وعن عدم رضى سعودي عن قرارات الإدارة الأميركية في قضايا حساسة ومصيرية تحدد مستقبل المنطقة.
وجاء إعلان الإدارة الأميركية عن زيارة الرئيس باراك أوباما إلى السعودية في نهاية شهر مارس المقبل، مؤشرا على أن العلاقات بين البلدين تحتاج إلى مصارحة وإعادة بناء الثقة. ويبدو أن هناك شعوراً في واشنطن بأن السعوديين يشعرون بخيبة أمل كبيرة، نتيجة عدم وضوح الرؤية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، وتقلص الاهتمام الأميركي بالمنطقة.
ومن الواضح أن هناك نقاطاً معلقة في التفاهم السعودي الأميركي. فالموقف المتخاذل للإدارة الأميركية في التعامل مع الأزمة السورية، كشف تبايناً واضحاً بين البلدين في طريقة التعامل مع الأزمة. كما أن الغزل الخجول بين طهران وواشنطن، يطرح علامات استفهام حول توجهات الإدارة الأميركية للمرحلة المقبلة في المنطقة. وقد اعترف الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية بوجود خلافات، ورأى أنها أمر طبيعي، ولكنه أكد أن العلاقات بين البلدين علاقات استراتيجية
وتميل الرياض إلى إحداث توازن بين القوى المختلفة على الساحة الدولية، وهذه تعكس الواقعية في السياسة السعودية، وتتطلب الواقعية الاستعداد لكل الاحتمالات المستقبلية، وهذا ما يقوله مؤسس نظرية الواقعية الجديدة كينيث والتر، في كتابه "نظرية العلاقات الدولية" من أنه نظراً لأن "بعض الدول ربما تستخدم القوة في أي وقت، يجب على كل الدول أن تستعد لأن تفعل ذلك أيضاً، أو أن تعيش تحت رحمة جيرانها الأكثر قوة". ومفهوم القوة هنا يأخذ أشكالاً مختلفة، سواء القوة العسكرية أو السياسية أو الاقتصادية.
ويدور حديث عن توجه سعودي نحو الشرق، وينتظر أن يقوم ولي العهد السعودي ووزير الدفاع الأمير سلمان بن عبد العزيز، السبت المقبل، بزيارة مهمة إلى باكستان والهند واليابان. ويصف مراقبون هذا التوجه بأنه دليل على أن السعودية تتحرك بإرادتها وحسب مصالحها، ويؤكد استقلالية القرار السياسي السعودي.
واللافت للانتباه أن هذه الزيارة تأتي بعد زيارات متعددة خلال الأسابيع الماضية، لمسؤولين سعوديين رفيعي المستوى إلى دول في الشرق الآسيوي. وكان وزير الخارجية قام بزيارة الشهر الماضي إلى باكستان، وكذلك نائب وزير الدفاع السعودي الأمير سلمان بن سلطان. وعكست هذه الزيارات تنامي العلاقات الاستراتيجية السعودية، وتوجهاً للانفتاح على دوائر أوسع في العلاقات الدولية.
ولا بد من الاعتراف بأن المصالح هي اللغة التي تفهمها الدول العظمى في التعامل السياسي، وأن الثابت الوحيد في سياستها هو التغير الدائم حسب بوصلة المصالح.
وهناك متغيرات اقتصادية تؤثر على العلاقات السعودية الأميركية، فتنامي إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة ووجود موردين للنفط قريبين جغرافياً لها، يفرض واقعاً جديداً في الصادرات النفطية، فالنسبة الأكبر من الصادرات النفطية السعودية تتجه حالياً إلى الشرق الأقصى. ويرى خبراء أنه لا يمكن أن تفطم الولايات المتحدة عن النفط السعودي، نظراً لنوعية هذا النفط. وقد صرح علي النعيمي وزير البترول السعودي، بأن الحديث عن إنهاء الاعتماد الأميركي على الاستيراد هو حديث تبسيطي وساذج، ويتجاهل ارتباط الأسواق ببعضها.
التوجه السعودي للشرق ليس جديداً، بل هو استراتيجية ممتدة. فقد كان العاهل السعودي خادم الحرمين الملك عبد الله بن عبد العزيز، قام بجولة لدول الشرق الآسيوي في 2006 أثارت وقتها اهتماماً كبيراً، وفتحت الباب لعلاقات اقتصادية قوية، ونتجت عنها أيضا استثمارات سعودية ضخمة في دول آسيوية عديدة.
ويسعى السعوديون إلى ترسيخ الاقتصاد كعامل مهم في علاقاتهم لبناء مصالح مشتركة، ولذلك يرافق ولي العهد السعودي وفد رفيع المستوى من رجال الأعمال، كرسالة واضحة بأن السعودية تسعى لبناء علاقة استراتيجية دائمة، تعززها مصالح يستفيد منها الطرفان، وليست صفقات سياسية عابرة.
ويدرك السعوديون أهمية الانفتاح على الحضارات والثقافات الأخرى، واتضح ذلك حتى في نظام الابتعاث لطلبتهم إلى الخارج، إذ كان التركيز في الماضي دائماً على الغرب، بينما الآن عشرات الآلاف من الطلبة السعوديين يدرسون في دول الشرق الأقصى.
التوجه السعودي نحو الشرق قرار صائب، ويعزز الواقعية السياسية في التعامل مع المعطيات الجديدة. وهو لا يلغي العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة ودول الغرب، لكنه أفق مهم يفتح خيارات متعددة ويبني مصالح جديدة مشتركة.
السياسة تبنى على المصالح وامتلاك مصادر قوة، واللاعب الذكي هو الذي يستعد لكل الاحتمالات ويحتفظ بكروته المهمة في اللحظة المناسبة.