ها هي القمة الحكومية تنطلق للعام الثاني على التوالي، برعاية مباركة من سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، لتمثل، وكما أرادها سموه منذ البداية، نقطة التقاء ثرّ للأفكار والأعمال والإنجازات والرؤى، يقودها الشيخ الذي خط قلمه كتاب "رؤيتي" دليلاً لكل مخلص عامل، وهاديا لكل عامل مخلص.

وبالطبع، فإن القمة الحكومية وهي تمثل أبرز وأعمق جلسات العصف الذهني الوطنية على مستوى الحكومات الاتحادية والمحلية، تمثل أيضا ميدانا لتقديم أفضل الأفكار الوطنية الخلاقة، نحو المزيد من التطوير والتعزيز والنمو لدولتنا الحبيبة وإداراتها الحكومية بمستوياتها المختلفة. وربما يكون جوهرة التاج في قمة هذا العام، هو الإضاءة على نجاحات الحكومات المحلية، من خلال كلمتي سمو الشيخ حمدان بن محمد آل مكتوم ولي عهد دبي، وسمو الشيخ عمار بن حميد النعيمي ولي عهد عجمان. ولكن علينا أن نتذكر هنا، أن الحكومات المحلية ليست سوى الجواهر التي ينتظم بها عقد الاتحاد، تتكامل مع حكومته الاتحادية ليتواصل العمل المؤسسي المتوحد في خدمة الوطن والمواطن.

لكن من الطبيعي هنا أن نتوقع أن الكثيرين سيسألون، وخاصة من الموظفين الحكوميين الذين لا يحضرون القمة، كيف يستفيدون من مداولات القمة الحكومية؟ وكيف نفيد الوطن بأعمالنا وأفكارنا؟ وطبيعي جدا أن دولة بنيت على الابتكار سيكون لدى شبابها الوطني المتحمس، الكثير من الأفكار الخلاقة والمبتكرة التي تستحق أن تبرز ويستمع إليها.

جوابي البسيط والمباشر لكل واحد من هؤلاء هو: من موقعك. فأنت في موقعك الذي أنت فيه، تتحمل مسؤولية وأمانة لا تقل ثقلاً وأهمية عن الوزير أو المدير الذي تتبع له وظيفيا. نعم، مارس دورك الوطني من موقعك.. أينما كنت ومهما كان موقعك، وتذكر أنك على ثغرة فلا يؤتَيَنّ الوطن من قِبَلك.

لا نقصد التنظير هنا، ولكن نقصد أن نكون جميعا عمليا، فالمسؤولية الوطنية والواجب الوطني ليسا لشاغلي المراتب الوظيفية المتقدمة فقط، وهنالك الكثير من النجاحات الوطنية التي تبدأ مع موظف عادي تنتقل حماسته ووطنيته إلى زملائه وزميلاته، فتنتشر في دائرته أفقيا وعموديا حتى تشمل الجميع.

أنت عندما تكون طبيبا في خدمة مرضاك، تتقي الله فيهم، وتقدم أفضل ما تعلمته لرعايتهم وعلاجهم، وتشكر ما أنعم الله عليك به من نعمة الوطن المعطاء بمرافقتهم إلى طريق السلامة والشفاء، تكون أفضل ما تكون في أدائك الوطني وواجبك المخلص.

وحين تكون جنديا أو شرطيا يقف على الحدود أو في النقاط الأمنية، يحتسب عند الله سهره وترتاح نفسه حين يعلم كم طفل ينام آمنا في بيته بفضل الله ثم بفضل سهره، تكون أفضل ما تكون في أدائك لواجباتك الوطنية..

وحين تقف بين تلاميذك معلما "كاد أن يكون رسولا"، تعلمهم مبادئ الإيمان وخطوات الوطنية ومعاني الانتماء وجوهر الولاء، وتلقنهم فنون العصر وعلوم الحياة، تمسك بأياديهم اليافعة لتنسج بها لوحة لعلم الاتحاد ترويها المهج والمقل، تكون في ذروة إبداعك الوطني.

وحين تكون، أينما تكون، الأمين المؤتمن على موارد الدولة، من رزمة ورق إلى بئر بترول، ومن دقيقة عمل إلى سنة تخطيط، ومن وقتك إلى وقت مواطنيك، تكون في عين الوطن مؤديا لأغلى أمانة يؤتمن عليها أبناؤه، ألا وهي الإخلاص لله ثم للوطن وقيادته وشعبه.

وحين تطيع ما يصدر إليك من تعليمات تنفيذية، هدفها المصلحة العامة وبناء الدولة، وتساهم في توعية الآخرين بها وحضهم على الامتثال لها، والتجاوب معها، تكون أنت في أبهى الحلل لبنة وطنية في حصن الوطن المنيع، الذي وصفه حبيبنا المصطفى عليه الصلاة والسلام بالبنيان المرصوص.

تذكر هنا دورك الوطني الجليل، فأنت أيها الإماراتي الذي اخترت أن تخدم وطنك وقيادتك وشعبك في الوظيفة العامة، تقوم بدور وطني جليل يتطلب التضحية مثلما يتطلب المسؤولية، ويتطلب العطاء المتواصل مثلما يتطلب المحاسبة والتدقيق، ولكنه أيضا يتطلب الإبداع والابتكار والمبادرة والتعلم الذاتي وتنمية القدرات والمواهب والأفكار. فإذا كنت لم تحضر القمة الحكومية، ما الذي يمنعك أن تتجاوب مع مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لعقد مختبر للإبداع الحكومي في دائرتك الصغيرة؟

وما الذي يمنعك من أن تكون الأكثر نشاطا بين زملائك في الإبداع والابتكار والأفكار الجديدة؟ ((وفي ذلك فليتنافس المتنافسون)) صدق الله العظيم.

يا أخي ويا أختي أبناء الإمارات في الوظيفة العامة، إن "الوطنية الإماراتية" ليست شعارات ترفع، وإنما أعمال تنجز في سبيل الله ومحبة الوطن وقادته وشعبه، فهل أنتم معنا اليوم؟