مثلما هو متوقع من قيادة دولة الإمارات، وجرياً على ما تعوده الجميع منها، جاءت تصريحات الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، عن العلاقات بين دولة الإمارت وقطر، هادئة ومتزنة وحكيمة، تعيد الأمور إلى مسارها الصحيح.

وتضع الإساءات التي صدرت من "القرضاوي" في حجمها الحقيقي، وتضيّع الفرصة على الذين امتهنوا الاصطياد في المياه العكرة، لأن تلك الإساءات صادرة من أصوات شاذة لا تريد الخير للبلدين والشعبين الشقيقين.

لذلك أكد سموه أن العلاقات الراسخة بين الأشقاء في دول مجلس التعاون الخليجي، أكبر من أن تتأثر بالأصوات والمزايدات المغرضة، ولكن دون التنازل عن كرامة الوطن، متمثلاً في رفض سموه التطاول والتجني على سيادة وقيم وعقيدة دولة الإمارات وأهلها.

وقد كان سموه في قمة الأخلاق والرقي، عندما أكد في الوقت ذاته رفض دولة الإمارات لأي تهجم أو إساءة قد تصدر عن أبناء الإمارات تجاه قطر الشقيقة.

هذه الحكمة في معالجة الأمور، وهذا الترفع عن المهاترات التي يحاول البعض أن يدفع البلدين والشعبين الشقيقين إليها، كانا وما زالا هما السمة البارزة التي تميزت بها قيادة دولة الإمارات، وهو ما حافظ على مكانة الدولة بين دول وشعوب العالم أجمع، منذ عهد المؤسسين الأوائل، طيب الله ثراهم، وحتى عهد الأبناء الذين استلموا منهم الراية فحافظوا على هذا الكيان، ودفعوا به إلى الأمام، مستلهمين حكمة الآباء، متحلين بأخلاقهم التي عرفها القاصي والداني.

لكن هذه الحكمة والأخلاق يبدو أن هؤلاء المغرضين الطارئين على شعوب منطقة الخليج لا يستطيعون الارتقاء إليها، ولا يعرفون مدى رسوخها، وهم يحاولون دق أسافين الخلاف والفرقة بين هذه الشعوب والدول، بمثل هذه التصريحات الشاذة التي لا تصدر إلا عن نفوس مريضة وحاقدة، لا تريد الخير لهذه الأوطان، ولا تعرف أهلها المجبولة نفوسهم على التقارب والتآلف، والحفاظ على اللحمة التي تربط بينهم، والمحافظة على السياج الذي يحمي أوطانهم.

ليس من باب الصدفة البحتة أن يقوم "القرضاوي" بالإساءة إلى دولة الإمارات، مدعيا أنها تقف ضد أي حكم إسلامي، وتسجن المتعاطفين معه، في الوقت الذي يحاول فيه أن يغازل القيادة القطرية، ويستميل الشعب القطري.

وذلك خلال خطبة الجمعة التي ألقاها من على منبر "جامع عمر بن الخطاب" في العاصمة القطرية "الدوحة"، يوم الرابع والعشرين من شهر يناير الماضي، عندما قال: "إن التاريخ سيخلد مواقف قطر البطولية في مناصرتها ثورات الربيع العربي، والانحياز لإرادة الشعوب الثائرة طلبا للحرية والعدالة والكرامة، في الوقت الذي كان فيه معظم الدول العربية الأخرى تحاول وأد هذه الثورات.

والقضاء عليها في مهدها، وإفشالها بكل الوسائل"! هذه المغازلة الرخيصة لا تنطلي في الواقع على أحد، وأولهم الشعب القطري والقيادة القطرية، اللذان امتدحهما الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في تصريحاته الأسبوع الماضي، عندما قال: "قطر إخواننا.. قطر أهلنا.. وقطر جزء من مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

وأنا شخصيا لدي علاقة مميزة مع صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر، الله يحفظه، ولدي ثقة كبيرة بالشيخ تميم في أنه يرى أن مصلحة قطر من مصلحة دول مجلس التعاون"، مشيرا سموه إلى أن "الاختلاف قد يحصل بين الأشقاء في البيت الواحد، لكن لا يمكن أن يفرقنا شيء عن أهل قطر إخواننا".

لهذا نعتقد أن مغازلة "القرضاوي" للقيادة والشعب القطريين وسيلة رخيصة ومكشوفة، تعودناها من مثل هذه الأصوات التي لا تنظر إلا لمصلحة جماعتها، ولا مانع لديها من تقديم فروض الولاء والطاعة لكل من ترى مصلحتها عنده، تماما مثلما هي مستعدة للانقلاب على كل من أحسن إليها عندما تتحول مصلحتها إلى جهة أخرى..

ولذلك لا نستغرب مثل هذا التصريح المسيء، ولا نستبعد أن نسمع نقيضه تماما بعد حين، ففي التاريخ من الشواهد الكثير الذي يمكن الرجوع إليه لكل من أراد أن يتقصى التاريخ، أو يعيد قراءته، أو يتعلم منه.

وإذا كان "القرضاوي" يظن أن الإساءة إلى دولة الإمارات مقابل الإشادة بمواقف قطر، ستدق إسفينا بين الشعبين الشقيقين، وبين قيادتي الدولتين، فهو واهم وغير مدرك لطبيعة العلاقة بين الشعبين الشقيقين وبين قيادتيهما.

وفي تصريح الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان خير دليل على فشل هذا المسعى، فقد أدرك سموه المغزى من مثل هذه التصريحات، ورد عليها بما يفضحها، ويفشل خططها، ويحبط الذين أصدروها محاولين إفساد العلاقة بين شعوب المنطقة وقادتها.

نحن ندرك المغزى من مثل هذه التصريحات الصادرة ممن أصيبوا بنكسة، وتلقوا صدمة قاسية بعد فشل التجربة الإخوانية القصيرة في مصر المحروسة، ونحن نضع هذه التصريحات في حجمها الحقيقي بيننا، لكننا نعرف أن من بين أفراد هذه الجماعة جهلة ومتعصبين ومتهورين وموتورين، قد يعتبرونها فتاوى تحل لهم سفك دماء من يخالفهم، فيقدمون على أعمال إرهابية في حق أبرياء لا ذنب لهم، وقد اعترف "القرضاوي" نفسه بأنه شارك في الثورة من أول يوم بـ"الخطب والفتاوى والبلاغات" التي نعرفها جميعا.

من هنا تأتي خطورة هذه التصريحات، ومن هنا تأتي أهمية التصدي لها، وإن كان كل هذا لن يحرك شعرة لدى قيادة دولة الإمارت وشعبها، ولن يزحزحهما قيد أنملة عن مواقفهما المعروفة والمعلنة.