كان الهمس يتزايد في قاعة الاجتماعات المكتظة بعدد كبير من الموظفين لاستيائهم من قرارٍ يريد مدير عام المؤسسة أن يتخذه، والذي كان من السوء بمكان أن أغلبية الحاضرين كانوا رافضين له جُملة وتفصيلاً، وما هي إلا دقائق وكان المدير يدخل القاعة في صمت رهيب من الجميع.
ثم يجلس على كرسيّه الكبير وهو يجول بناظريه على الرؤوس المطرقة للأرض والأعين الزائغة والمتهرّبة من مواجهته قبل أن يقول لهم :"كل الذين يرفضون القرار الذي سأقوم بقراءته بعد لحظة سيقومون بالرد عليّ بجملة واحدة " أنا أستقيل"!
هل يبدو هذا الوضع مألوفاً لدى البعض ؟ حتماً هناك العديد من المديرين المتميزين الذين يلهبون حماس موظفيهم وينجحون في قيادة مؤسساتهم لنجاحات متلاحقة بحُسن أسلوبهم القيادي وقدراتهم التواصلية الكبيرة،
ومن وفقه الله تعالى ليكون في مؤسسةٍ تُقاد بشخصٍ من هذا الطراز حريٌ به أن يصلي ركعتي شكر أنه لم يجد نفسه في مبنى جميل لكن "يُسمِّم" أجواءه ديناصور كبير يسمى سعادة المدير العام، والذي لا يرى من الدنيا إلا نفسه ولا للمؤسسة حضوراً إلا لخدمة أجندته الشخصية ولا أنشطتها ومشاريعها إلا وسائل لتلميعه!
قبل مدة أخبرني صديق عزيز بأنه قرأ شيئاً جميلاً على حائط مقهى قديم في إحدى مُدن الريف الفرنسي يقول ما معناه : "إنّ أعظم الرجال وأعظم الأفكار يتم اغتيالهم من أصغر الرجال وأصغر الأفكار"، وهذا ما يحدث في أماكن عمل كثيرة تزخر بكفاءاتٍ شابة ولكنها لا تتقدّم خطوة واحدة ولا تسمح بفكرةٍ مبدعة لتحلّق وتخلق واقعاً مختلفاً.
لا لقصورٍ فيها أو في عقلية من أتى بها ولكنها لأنها تصطدم بعقليةٍ ديناصورية متحجرة ترى كل جديد محاولة لتغيير شروط المعادلة التي يتحكمون بها وبداية لانفلات الأمور التي تجعله الآمر الناهي الوحيد في ذلك المبنى الجميل.
فتصطدم كل محاولات التجديد بسد يأجوج ومأجوج القابع في جمجمة سعادته، وتذبل كل أفكار المبدعين المتأججة ومقترحاتهم في صحراء الروتين والنمطية ومنطق "فكّونا من خرابيط الكتب" وإمعاناً في قفل الأبواب أمام الفكر الإبداعي تخرج مقولة أنّ تلك الأساليب تنجح في الغرب ولكن لدينا "خصوصية" لا يمكن لهذه الأساليب أن تنجح بها!
بمثل هذا الفكر الديناصوري عانت مؤسسات كثيرة بل وامبراطوريات كبرى، فالصين مثلاً كانت عام 1600 تُساهم بما نسبته 29% من الناتج العالمي كما يذكر ذلك جيغجوش كودكو، ووصلت مساهمتها إلى الثلث عام 1820 لكنها هوت في سقوطٍ مدوٍ إبّان حكم الطاغية ماو تسي تونغ إلى ما دون 5% فقط أواسط القرن العشرين.
فالفكر الضيق والنظرة المحدودة والقدرات الهزيلة لا يمكن أن تقود مؤسسةٍ لأي نجاح حقيقي، وأقصد بالنجاح الحقيقي تحقيق أهداف المؤسسة الرئيسية وارتفاع معدلات الرضا الوظيفي ورضا المتعاملين وانتشار ثقافة مؤسسية تشجّع التجديد والابداع.
وذلك لبيان اختلافه عن النجاح "الملفّق" والذي يمتهنه ويبرع فيه الديناصورات للبقاء على الكرسي لفترة طويلة من خلال التقارير الصحافية الوهمية وشراء الجوائز المشبوهة والتي تنطلي على الكثيرين ممن لم ينظروا لأداء تلك المؤسسات ومخرجاتها الحقيقية الغائبة وتلك الهجرات الجماعية للمبدعين منها بحثاً عن فضاءٍ أكثر رحابة وتقبلاً لمواهبهم واطلاقاً لقدراتهم التي "قصقص أجنحتها" سعادة الديناصور القابع خلف مكتب فخم!
من أساليب الدينصورات التي أضحت مألوفةً هي اجتزاء ما يشاءون من التقارير المالية، فيقومون بإعلان الأرقام التي توحي بنجاحٍ ما ويُخفون أرقاما أخرى بمقدورها أن تنسف معنى الأرقام الأولى وأهميتها، فإبراز قيمة عوائد بملايين الدولارات لا معنى له إن لم تتم معرفة قيمة المصاريف في المقابل.
والافتخار بتحقيق ربحية معينة لا معنى له دون مقارنة مع المنافسين وأرقامهم فالفارق هائل بين من يربح بضع ملايين ومن يصل لسقف المليار، وكم كان محقاً ينجامين ديزرايلي وهو "ينغز" بهذا الطرح دينصورات مماثلة ممن هم حوله بقوله: "هناك ثلاثة أنواع من الأكاذيب : الأكاذيب، والأكاذيب الكبيرة، والإحصائيات".
فاجتزاء أرقام معينة من الاحصائيات وإغفال ما سواها لا يعدو أن يكون مستوى عالياً من الكذب والتلفيق لا يقل سوءاً عن شراء تلك الجوائز بينما يئن المراجعون من سوء المعاملة ويرزح الموظفون تحت ضغط كاتمٍ للأنفاس والأفكار و القدرات!
إنّ الحل لن يتحقق ما دام التقييم الوظيفي محجوراً فقط على الموظفين الصغار بينما يتمتع "الباشاوات" والدينصورات بحصانة لا يُعرَف سببها تمنع عليهم التقييم، فبأي منطق يكون تقييم الموظف الصغير ملزماً وغير قابل للتأجيل.
رغم ضعف تأثيره الوظيفي بينما لا يتم تقييم المدير وأثره هائل على المؤسسة والقطاعات المجتمعية التي تغطيها مؤسسته ؟ لقد تم إقالة مارك هيرد أحد أعظم من قاد شركة "هيولت باكيرد" لمجرد شُبهة وجود علاقة بينه وبين مسؤولة إحدى شركات التوريد.
واستقال جاك ناصر من رئاسة فورد رغم أنه حقق لها أعلى ربحية في تاريخها بعد قضية عيوب إطارات فايرستون، لكن عندما يأتِ الأمر لدينا ترى العجب العجاب، فالمدير لن يتزحزح من كرسيه أبداً ولن تمر بباله إطلاقاً قضية الاستقالة كما يفعل "المهابيل" الأجانب.
ولا يهمه إن تردت أوضاع المؤسسة واستقال منها الجميع بل المهم أن يبقى هو، وهو غالباً في مأمن لأنه لا يوجد تقييم لأدائه الحقيقي، وما دام بإمكان تحقيق صحافي مدفوع الأجر مسبقاً أو جائزة مشبوهة مشتراة أن تغطي الوجه الكئيب للمؤسسة فيا ليل ما أطولك!