احتلت قضايا الشرق الأوسط حيزاً كبيراً في خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه الرئيس الأمريكي باراك أوباما في الثامن والعشرين من يناير المنصرم، وهو خطاب سنوي يعرض فيه الرئيس حال الأمة أمام الكونغرس بمجلسيه، ويستعرض تصوراته لمقاربة الأولويات التي تواجهها. فقد تناول في الخطاب مفاوضات السلام المتعثرة بين الفلسطينيين وإسرائيل..

ودور الولايات المتحدة في التعامل مع الوضع في سوريا ونزع أسلحتها الكيميائية، كما أعرب عن عزمه اللجوء إلى استخدام صلاحياته في حق النقض ضد أية عقوبات يفرضها الكونغرس على إيران خلال فترة المفاوضات، ولم ينس الحديث عن تنظيم القاعدة التي اعتبر أنها قد أصبحت «على طريق الهزيمة».
ويأتي هذا الخطاب في ظروف بدأت تشهد تآكل شعبيته التي تراجعت إلى مستويات غير مسبوقة، فوفق استطلاع أجرته كل من صحيفة الواشنطن بوست وشبكة إي بي سي الإخبارية، تبين أن 50% من الأمريكيين يرفضون طريقة أوباما في إدارة البلاد.
الولايات المتحدة في عهد الرئيس أوباما غير ما كانت عليه إبان عهود أسلافه، فقد تراجع دورها العالمي، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط، بسبب سياسات خارجية تستند إلى رؤية استراتيجية فيها قدر من المغامرة غير المحسوبة عواقبها بشكل وافٍ في اختيار الحلفاء.
وقد تمر سنوات طويلة قبل أن تتمكن الولايات المتحدة من استعادة عافيتها، ومن ثم دورها الدولي الذي أضعفته كثيراً حرباها المكلِّفتان جداً في أفغانستان والعراق، على مستوى الخسائر البشرية والمادية من جهة، ومستوى التفريط في السمعة الدولية من جهة أخرى. وربما تكون العودة في أوان وظروف عالمية مختلفة، لا تتاح فيها الفرصة لدور أمريكي كما كان إثر نهاية حقبة الحرب الباردة.
والحقيقة أن نهاية الحرب الباردة قد وسعت كثيراً من دائرة التوقعات للمدى الذي ستذهب إليه الولايات المتحدة في الهيمنة على مقدرات العالم، في سعيها لملء الفراغ السياسي والفكري الكبير الذي تركه انهيار المنظومة الاشتراكية. وجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 لتمنح الولايات المتحدة مبررات ركوب موجة التطويع التي طالما تشوقت لركوبها، لا سيما أن صناعة القرار حينذاك كانت في يد الصقور الجمهوريين الذين تربوا على مبادئ ونهج رونالد ريغان الاقتحامي.
لكن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن، فالحربان في أفغانستان والعراق قد أضعفتا ثقة القيادات الأمريكية بجدوى استخدام القوة في مواجهة الأزمات، لا سيما أن الوعود التي سبق لمن أصدر قرارات الحرب تسويقها، من الحصول على نصر سريع وبكلفة زهيدة، لم يعد يتقبلها الرأي العام المحبط الذي يرى صلة الربط القوية بين ما يعانيه من ضائقة اقتصادية، وبين مغامرات بلاده وحروبها في الخارج.
لم تعد هناك شهية لدى الرئيس الأمريكي لإشراك قوات بلاده في مهام خارجية جديدة، بعد أن أصبحت يداه مغلولتين بالحالة غير الصحية لاقتصاد بلاده. فالولايات المتحدة لم تعد قادرة على الدخول في مغامرات في الساحة الدولية، مع عدم وجود إجماع داخلي حول ذلك، فالسمة المميزة للتفكير الجمعي الأمريكي هي الرغبة في قصر الاهتمام على الداخل ومشكلاته فحسب.
قلة من المهتمين بالشأن السياسي من يعزون تراجع الدور الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط إلى الارتباك وسوء التخطيط في السياسة الخارجية الأمريكية، ولكن لا أحد يختلف مع حقيقة أن الولايات المتحدة بدأت تخسر مواقعها منذ اندلع الربيع العربي في ديسمبر عام 2010 انطلاقاً من تونس.
ففي تونس ومصر رحل أبرز حليفين للولايات المتحدة التي رحبت برحيلهما، دون أن تضمن أن الإدارات الجديدة تمتلك من المقومات ما يساعد واشنطن على إدامة دورها السابق، ودون أن تتخلى عن رسالتها في دعم التغيير نحو الانفتاح والديمقراطية التي بشّر بها الرئيس أوباما في خطابه التاريخي الذي ألقاه في جامعة القاهرة عام 2009.
فلم تعد الولايات المتحدة تحظى بنظرة ودية من قبل الإدارة المصرية الجديدة والجمهور الواسع الذي ساند عملية إطاحة الرئيس محمد مرسي. أما في تونس، فلا يُخفي المحللون السياسيون مخاوفهم من انفجار الوضع، في ظل الأزمة السياسية التي تتعرض لها البلاد، وتزايد حالات العنف في بعض المدن. وفي ليبيا..
حيث أدت الولايات المتحدة دوراً كبيراً في إطاحة القذافي، لا يمكن اعتبار سياسات النظام الجديد منسجمة مع أهداف الولايات المتحدة في تعزيز النزعة نحو الاستقرار والديمقراطية، لا سيما أن الحاكم الحقيقي هو التنظيمات المسلحة الدينية والقبلية. إسرائيل من جانبها، وهي الحليف الأكثر قرباً للولايات المتحدة، لم تعد تنظر إلى بعض السياسات الأمريكية بعين الثقة والرضى، بل تعتبرها استهانة وتفريطاً في أمنها القومي.
الكاسب من جراء التراجع في الدور الأمريكي، هو قوى إقليمية بدأت توسع نفوذها في المنطقة، مستفيدة من رواج المناخ أو الوباء الذي بدأ يعكر صفو أجوائها، وهو التشرذم والعودة إلى خيمة القبيلة أو المنطقة أو الطائفة، وهو ما يمكن اعتباره أحد أبرز تداعيات السياسة الأمريكية الجديدة في المنطقة.
الولايات المتحدة تتعرض منذ سنوات لموجة نقد واتهام، على قاعدة أنها أصبحت حليفاً لا يعول عليه في الشدائد، فهي لم تعد تسند أنظمة تتعرض لتهديدات من الداخل، كما كانت تعمل في فترات سابقة، وأصبحت سياساتها الخارجية تقتصر على تسويق حزمة من الشعارات البراقة حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، في سلسلة محاضرات يقوم مسؤولوها بالترويج لها عند تجوالهم في عواصم الدول.
أما على المستوى الفعلي فقد تخلت عن أبرز حلفائها في المنطقة، مقابل تحالفات جديدة مع قوى قد تجد لها سنداً جماهيرياً إلى حين، إلا أن أجندتها في تنافر تام مع ما تدعو إليه الولايات المتحدة من التزام بالنهج الديمقراطي في الحكم ومراعاة حقوق الإنسان.
الولايات المتحدة في قلب الأحداث في الشرق الأوسط، وهي مضطرة لكثرة المشكلات فيه، إلى أن تتقبل أو تغض الطرف عن بعض المواقف والسياسات التي لا ترضى عنها، لأنها غير قادرة على فرض بديل، لعدم جاهزيتها للانتقال من دبلوماسية الحوار إلى دبلوماسية الهراوة، برغم أن هراوتها قد أصبحت أكثر غلاظة من ذي قبل.