دولة مرقعة لا تستر عورة لاجئ، ولا تقي البشر شر نزِق يريد تمزيق علم مصنوع من أكاذيب مفاوض. دولة لا سلطة لسلطتها على هوائها، ولا هواء يمر إلا عبر حواجز ستختنق بالغاز المسيل للدم، حين يتراجع الطرف الآخر عن دور الحمل، ويعود إلى طبيعته الأولى، هو الشعب المختار، والآخر من الأغيار، موالون وأتباع وعبيد!

"الدولة الفلسطينية" التي يبشر بها مشروع كيري، ليست دولة وليست لا دولة، جبنة سويسرية لا يجمع بين أجزائها سوى أن اسمها جبنة. لا تعريف لها في التاريخ الحديث، لا تشبه الفاتيكان كدولة، ولا جمهوريات الموز، ولا تلك المسجلة في الأمم المتحدة، مثل ميكرونيزيا، تلك الجزيرة التائهة في المحيط الهادئ، التي لا يعرفها أحد إلا حين ترفع يدها مع الولايات المتحدة عند التصويت على قرار بغزو أو حرب على دولة.

مشروع أو خطة كيري، حسب معلومات مسربة مرة على لسان توماس فريدمان، ومرة عبر مارتن إنديك، تتضمن انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً من المنطقة التي احتلتها في عام 1967، والإبقاء على بعض المستوطنات في الضفة الغربية ومبادلتها بـ "أراض إسرائيلية" تصبح تحت سلطة الفلسطينيين، وترتيبات أمنية "غير مسبوقة" في وادي الأردن لحماية الأمن الإسرائيلي، واعتراف فلسطيني بأن إسرائيل هي "دولة الشعب اليهودي" في حدود 1948، وحق العودة يمارس بشكل طفيف جداً في حدود 1967 المستعادة، ولكن ليس في 1948، وعاصمة فلسطينية في الجزء الشرقي من القدس.

ويرى فريدمان أن كل هذه العناصر صعبة جداً، ولن يقبل بها أحد من الطرفين، وهذا أمر مؤكد، ولكن مجرد طرحها بهذه المستويات المباشرة، يعني أننا إزاء مفاوضات جادة، ربما تكون الأهم منذ قمة عرفات-باراك، تحت إشراف بيل كلينتون منذ حوالي 15 عاماً في كامب ديفيد. وحسب مقال فريدمان في "نيويورك تايمز"، فإن كيري يقوم حالياً بترك الفلسطينيين والإسرائيليين يتفاوضون، ولكنه يدرك تماماً أنهم لن يتفقوا، وأن الولايات المتحدة سوف تتدخل لتمارس الضغط وطرح مبادرتها بشكل أكبر، في النصف الثاني من العام القادم، بهدف الوصول إلى تفاهمات جدية قبل انتهاء ولاية أوباما الثانية.

بدعوى المهنية، يتم استخدام سياسيين وإعلاميين لإطلاق بالونات اختبار في قضايا مصيرية، وعادة ما تكون هذه التسريبات جزءاً من الإعداد للمفاوضات. ونتذكر الدور الخطير الذي لعبه فريدمان في مبادرة السلام العربية حتى وصولها إلى قمة بيروت في 2002، وكيف قدم العرب تنازلاً كبيراً تضمن اعترافاً جماعياً مشروطاً بإسرائيل، لإثبات حسن نواياهم لتحقيق السلام في المنطقة، وبماذا قابلت إسرائيل تلك المبادرة التي ثبت أن إعدادها والترويج لها لعب فيه فريدمان دوراً مزدوجاً. فقد كان الهدف هو دفع العرب إلى التقدم خطوة نحو التراجع عن مواقفهم المبدئية من الكيان الإسرائيلي، من دون أن يحصلوا على شبر من الأرض العربية التي احتلت عام 1967.

وليس ذلك غريباً على فريدمان، فهذه نبذة قصيرة عنه من ويكيبيديا "ولد توماس فريدمان في سانت لويس پارك. أرسل إلى مخيم يهودي حيث كان "آب فوكسمان" (Abe Foxman) مدرباً فيه. في الثانوي كتب مقالات لجريدة المدرسة، حيث استجوب في أحدها أرييل شارون"!

الإسرائيليون ليسوا في عجلة من أمرهم، ويعملون على مراحل مبرمجة وفق خطط طويلة المدى، طويلة جداً جداً، تبدأ من انهيار ممالكهم في أريحا ونابلس والقدس، والتي انتهت على يد جيش نبوخذ نصر، الذي انتقموا حديثاً من أحفاده في العراق، وها هم ينتقمون من أحفاد صلاح الدين وأبناء عبد الناصر.

إن فتح الملفات الأصعب في الفترة الأسوأ، هو الخيار المراوغ الذي سوف تستفيد منه إسرائيل، التي تتمتع حالياً بأفضل سيطرة على موازين القوى منذ أربعين سنة، وذلك بفضل الفوضى التي أحدثها "الربيع العربي"، وجعل السلطة الفلسطينية بلا سند عربي، وللأسف، قد تكون جاهزة الآن لتقديم التنازلات التي صمدت في مواجهة ضغوطاتها لبضع سنوات!

إنها أخطر مراحل تصفية، وليس حل القضية الفلسطينية. وما يطرحه كيري ما هو إلا منح القتيل خيار بأية طريقة يحب أن يموت. لكن للشعوب خياراتها، وعلى قياداتها أن تستجيب لهذه الخيارات في اللحظة الحاسمة. ويبدو الرئيس الفلسطيني الآن بين خيارين لا ثالث لهما، إما الاستقالة حتى لا يفعل ما عفَ عن فعله ياسر عرفات وقضى شهيداً كما تمنى، أو حل السلطة، ولتفعل إسرائيل ما تفعل في إدارة شعب يفوق عدده عدد متوطنيها، أو انتفاضة ثالثة تعيد النضال الفلسطيني إلى طريق المقاومة.