تقف التجربة التركية خلال الحقبة التي أطلق عليها "الاردوغانية" (نسبة إلى رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان) في منعطف صعب. فبعد أن كانت التجربة التي يتحدث عنها العالم بإعجاب، وتتلقى المديح والإطراء من الغرب والشرق على سواء، بدت الآن في مواجهة واقع جديد، وأصبح أصدقاء الأمس أعداء اليوم، وتحولت كلمات الشكر إلى عبارات انتقاد واستهجان.
ومن باب الإنصاف، فخلال فترة حكم حزب العدالة والتنمية الذي ينتمي إليه اردوغان، حققت تركيا تقدماً هائلاً وبرزت تركيا كقوة إقليمية. ومن الناحية الاقتصادية، حققت تركيا نمواً في دخل الفرد ومعدلات النمو الاقتصادية، وامتلكت بنية تحتية متكاملة وصناعات متقدمة ومشاريع سياحية ضخمة. بل استطاعت أن تغزو العالم العربي، ليس فقط بمنتجات مصانعها ومزارعها، بل أيضاً عبر القوة الناعمة التي تمثلت في الثقافة التركية، من خلال المسلسلات التي اكتسبت إعجاب الجمهور العربي.
وجذبت التجربة التركية الاهتمام العالمي، ليس فقط لنجاحاتها الاقتصادية والتنموية، بل كتجربة مختلفة للإسلام السياسي. وتحول اردوغان في مرحلة من المراحل إلى رمز عند الشعوب العربية، وخاصة بعد موقفه في دعم السفن التركية التي حاولت كسر حصار قطاع غزة، وفي صدامه الشهير مع شمعون بيريز في دافوس وانسحابه من الجلسة.
والشعوب العربية تبحث دائماً عن الشخص الزعيم أو الرمز المنقذ، فارتفعت صوره في التظاهرات وأصبحت له شعبية كبيرة. لكن لم تطل هذه الفترة، فالمواقف التركية التي أقحمت نفسها في الشأن السياسي الداخلي لدول عربية، جعلت اردوغان يخسر كثيراً من هذه الشعبية، ويؤثر حتى على النجاحات التي حققتها تركيا في الدول العربية.
مشكلة النجاح عند البعض أنه يفقده البوصلة، وتصبح لديه تصورات وهمية، والنفوذ يحفز بالتمادي والتوسع في السلطة. فبعد احتجاجات ميدان (تقسيم) كان رد فعل السلطة مبالغاً فيه، وأدى العنف الذي تعاملت به السلطات مع المتظاهرين إلى احتجاجات خارجية، وإلى توسع التظاهرات في مدن تركية مختلفة، وأصبح هناك حديث عن عدم رضا لدى بعض الأتراك عن إدارة اردوغان. ورغم تجاوز تلك الأزمة باستجابة الحكومة لبعض المطالب، إلا أنها كانت سلبية على سمعة الحزب واردوغان شخصياً.
وفي ظل الصراع الخفي بين الجيش والسلطة في تركيا، ونجاح اردوغان في التخلص من مجموعة كبيرة من القادة في الجيش بإعفائهم من مناصبهم، جاءت فضحية الفساد لتهز الكيان التركي، التي وصفها اردوغان نفسه بأنها "بقعة سوداء في تاريخ تركيا الديمقراطي"، واستخدم نفس العبارات التي استخدمتها الأنظمة العربية التي سقطت، من أن هناك قوى أجنبية تتآمر لتدمير اقتصاد تركيا.
ويبدو أن الاقتصاد التركي دفع ثمناً غالياً لهذه التطورات، وتراجعت العملة التركية إلى مستوى قياسي، وقلصت الحكومة توقعاتها لمعدلات النمو الاقتصادي. ودائماً الاقتصاد هو المؤشر الذي يعكس صحة النظام السياسي، والمعيار الذي يكشف مستوى أداء الحكومات.
واردوغان الذي اشتهر بقوة شخصيته، يتهمه معارضوه بأن لديه مشروعاً لتغيير المنهج الأتاتوركي في تركيا. وقد سبق أن سجن عام 1998، بعد اتهامه بالتحريض على الكراهية الدينية، بسبب اقتباسه أبياتاً من شعر تركي أثناء خطاب جماهيري. وبعد أن انشق عن الحزب المحظور (الفضيلة)، أسس حزب العدالة والتنمية، وحاول أن يؤكد دائماً أنه سيسير وفق منهج أتاتورك لترسيخ قيم المجتمع المتحضر والمعاصر.
ورغم أن حزب العدالة والتنمية لم يخرج عن العباءة الأتاتوركية، إلا أن هناك قرارات أصدرتها الحكومة، فهم منها أنها تقود لتوجه إسلامي خارج المنهج الأتاتوركي، ومنها منع الاختلاط في أماكن السكن الجامعي. واعتبرت المعارضة وشرائح مختلفة من المجتمع التركي، أن هذا اعتداء على الحرية الشخصية للأفراد.
وتحولت شخصية اردوغان إلى قضية في الصراع السياسي، وهناك حديث عن خلاف خفي بينه وبين رفيق دربه رئيس الجمهورية عبد الله غول. وكما يقال، قد ينجح الإنسان في اجتياز ابتلاء الفقر، لكنه قد لا يصمد أمام إغراءات السلطة.
وهذه إشكالية الزعامات التي تتمسك بالسلطة، فالحديث بدأ الآن عن احتمالية الترشح لمنصب رئيس الجمهورية، الذي سيتم انتخابه لأول مرة عبر الاقتراع المباشر العام المقبل.
وإذا كانت النجاحات التي حققها اردوغان سوف تسجل اسمه في التاريخ التركي المعاصر، فإن وضع الحسابات الصحيحة لنقطة التقدم أو الخروج من اللعبة السياسية، قرار يفشل فيه كثير من الزعماء. وتظل التجربة التركية مميزة في أن مرجعيتها صندوق الانتخاب، وهناك شهادة دولية بنظافة ونزاهة الانتخابات. وبالتالي، الاحتكام إلى الصندوق يعني احترام رغبة الشعب.
الآن مع تراجع وانكسار الإسلام السياسي في دول الربيع العربي، تحول الحديث من استنساخ التجربة التركية في دول عربية، إلى حديث عن احتمالية انتقال فشل الإسلام السياسي من الدول العربية إلى داخل تركيا.. إنها السياسة.