علمنا المنطق أن المقدمات الجيدة تأتي بنتائج على مستواها، وعلمتنا الحياة أن من يزرع الشوك يستحيل أن يجني من ورائه العنب، وعلمنا ديننا على لسان ثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن «السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة»، تلك سنة الله في كونه وفي محكم التنزيل «وأن ليس للإنسان إلا ما سعى»..

تلك هي القوانين الضابطة لنظام الكون وحركة الناس، حتى يظل ميزان العدل قائما في أن لكل مجتهد نصيبا من اجتهاده، وأن النجاح لا ينال بالتمني، ولكن عبر المغالبة والمثابرة والعزيمة التي لا تعرف اللين، والجهد الدؤوب الذي لا يعرف التوقف، والقدرة على العمل تحت أقسى الظروف، ومجابهة التحديات وتحويل المحن إلى منح، ووضع قواعد للنجاح من بين كل محاولات الفشل.

هكذا هي الحياة وهكذا كانت قصة الإمارات ابتداء، التي يمكن إجمالها في السباحة الناجحة ضد تيار الإحباط والفشل. فعندما كانت تتهاوى التجارب الاتحادية في منطقتنا العربية، بما يتركه ذلك من مشكلات وأبعاد اقتصادية واجتماعية، كانت الإمارات تسير عكس تيار الفرقة بإقامة اتحاد مازال هو النموذج المتفرد في المنطقة..

ولأن البداية كانت كذلك فقد غلبت على مسيرة الإمارات، عبر عقود الاتحاد التي تخطت الأربعة، مسيرة السباحة ضد الفشل، التي تشكلت ملامحها بواقع معاش وبمؤشر مؤسسات دولية كان أحدثها، ولن يكون آخرها بإذن الله، مؤشر مؤسسة إدلمان للثقة لعام 2014، والذي جاءت في صدارته دولة الإمارات، بعد أن حصلت على المركز الأول عالميا في ثقة الشعب في الحكومة بنسبة 88 %، والمركز الأول عالميا أيضا في متانة الاقتصاد بنسبة 82 %، في الوقت الذي يشهد العديد من البلاد في دوائرنا العربية والإقليمية وحتى الدول الكبرى، أزمات طاحنة لم تستثن إلا من ارتضى أن يكون قريبا من شعبه، ملامسا لحاجاته، لا يوصد الباب في وجه كبير أو صغير من علية القوم أو من أدناهم، فالكل عنده سواء، وكلهم من نبت هذه الأرض الطيبة..

من ارتضى أن تكون ديمقراطيته نابعة من عمق تراثه وتقاليده، التي تعين الكل وترحم الضعيف وتداوي العليل.. وتقف قيادة الدولة في أعلى مستوياتها طويلاً عند انتهاك حرمة أو اعتداء على طفولة بريئة، وتسخر كل إمكاناتها عند حدوث مكروب لفرد داخل الوطن أو خارجه، لم تستثن تلك الاضطرابات إلا من وفر لشعبه العيش الكريم وأمنه في حله وترحاله، ولم يتركه نهبا للمرض والعوز، وفك كرب المكروب حتى في محبسه.

ولا شك أن هذه المؤشرات الدولية جاءت منطقية، ونتيجة طبيعية لثقافة التميز التي أشاعتها دولة الإمارات في كافة الدوائر والمؤسسات الحكومية، حتى أصبح التميز هوى في نفس العاملين فيها، وأن الأدوار الوظيفية غير المبدعة سيظل صاحبها يغرد بمفرده خارج سرب الناجحين، ولأن التميز في أصغر حلقاته يكتمل بغيره من الحلقات لتكتمل الصورة، وما الدولة إلا جموع أبنائها وبتميز أدائهم تميزت، فمعظم النار من مستصغر الشرر، والجبال من حبات الحصى.

كما أن هذه النجاحات جاءت في سياقها الطبيعي، ونتيجة منطقية لمنهج القيادة بالأمل وزرع الثقة في نفوس أبناء الوطن، وهو نمط من القيادة يبث الدافعية لدى المواطن ويخرج أفضل ما لديه من مكنون طاقاته، بزرع الأمل الدائم في نفوس أبناء الوطن في أصعب اللحظات التي تحيط بنا وتحويل المحن إلى منح، وإدارة أصعب الأزمات بحنكة واقتدار.

ومن المعلوم يقينا أن إدارة الأزمة بنجاح يخرج المؤسسة أقوى وأصح، بل تتحول المحنة ذاتها إلى فرصة للنجاح، لأن المحن ذاتها أكبر درس على طريق النجاح. وقصة الاتحاد هي قصة المراوحة بين الأمل والرجاء، حتى تحقق ما لم يتوقعه أكثر الحالمين، وصارت تجاربنا في مختلف الميادين والمجالات منبعا ثريا يتطلع إليه كل الطامحين في إقامة وطن يحيا في نفوس أبنائه قبل أن يحيوا على أرضه.

إن هذه المؤشرات جاءت نتيجة طبيعة من حيث اختلاف مصادرها وجوانب اهتمامها، ومن الشواهد الدالة على صدقيتها أنها جاءت من مؤسسات مختلفة، فكل المؤشرات الدولية، أيا كان مصدرها وكيف كانت معاييرها ومجالات اختصاصها، إذا ما نظرت بعين منصفة تجد الإمارات حاضرة في مركز الصدارة.

ورغم أننا لا ننتظر هذه المؤشرات الدولية لتخبرنا عن واقع نعيشه، إلا أن أهميتها تكمن في أنها توضح لنا كيف يرانا العالم من حولنا في عصر لم يعد ممكنا أن تعيش فيه منعزلا، كما أنها تؤكد لنا صحة المسار الذي نسير فيه، خاصة وأن هذه المؤشرات تخرج من مؤسسات دولية ذات معايير عالمية وشفافية موضوعية ومحايدة، ولا يعنيها غير مصداقيتها التي تحرص عليها حرصها على ثقة المجتمع الدولي في ما تخرجه من نتائج، وهو أمر من الأهمية بمكان.

على الجانب الآخر، فإن المقاييس الدولية لا تقدر أن تكون نتائج مؤشراتها في جانب والواقع المعاش في جانب آخر؛ أي أنها لا تستطيع أن تعبر بإيجابية عن واقع مناقض لذلك، فقد تستطيع خداع بعض الناس لبعض الوقت ولكن لا تستطيع خداع كل الناس طيلة الوقت، وإلا فقدت قيمتها ولن ينظر أحد إلى مخرجاتها بعين الاعتبار. كما أن هذه المؤشرات الدولية تلقى صدى واسعا في المجتمع الدولي، وهو ما ينعكس في رسم صورة لمنطقتنا العربية والإمارات جزء منها، طالما تعرضت للغبن والظلم والتجاهل وتكريس صورة ظالمة من المؤسسات الدولية، والتي مازال بعضها يمارس هذا الدور من حين لآخر، لأسباب لا تخفى على كل ذي بال.

يحكي لي أحد الأصدقاء، من الذين قضوا جل عمرهم خارج وطنهم، أننا لم نكن نسمع ونرى في الإعلام الغربي في فترة السبعينات والثمانينات عن عالمنا العربي، غير أخبار الكوارث والحوادث والصراع، وساعد ذلك في تكريس صورة ذهنية غير صحيحة عند المواطن الغربي في تلك الآونة، متجاهلين التجارب التنموية التي كسبت احترام وتقدير العالم من حولنا.. لذا فإن هذه المؤشرات نتاج طبيعي لسنوات من العمل الجاد المستمر، القائم على التخطيط ووضوح الهدف، عبرت عنها مؤسسات خارج حدودنا العربية والإقليمية، والواقع أصدق، والقادم بإذن الله أعظم.