عمت مشاعر الحزن والأسى أرجاء الإمارات، لفقد رجل من رجالاتها المخلصين، الذين كانت لهم إسهامات بارزة في العمل الوطني، قبل قيام الدولة وبعد قيامها، هو المغفور له بإذن الله تعالى، الدكتور عبد الله عمران تريم، الذي رحل عنا بعد مسيرة غنية وحافلة، تعددت فيها عطاءاته في مجالات مختلفة، وهي مسيرة تستحق أن نقف عندها بكل الإعزاز والتقدير للراحل الكبير

. وهذا ما فعله رفاق دربه الذين آلمهم رحيله، مثلما آلم شعب الإمارات كله، وجميع من عرفه عن قرب أو بعد، من المواطنين والعرب حد سواء.

ووسط هذه المشاعر التي يفرضها رحيل الكبار، أمثال الدكتور عبد الله عمران تريم، عليه رحمة الله، تبارى رفاق الدرب والعديد من الكتاب والمسؤولين والمحبين في وصف مشاعرهم، مستذكرين سيرة الراحل ذات المحطات المتعددة، والتي تأتي على رأسها مشاركته لشقيقه الراحل تريم عمران، عليه رحمة الله، في تأسيس جريدة "الخليج" عام 1970، لتكون أول صحيفة يومية تصدر في الإمارات، رغم أن صحيفة "الاتحاد" سبقتها في الصدور عام 1969.

إلا أنها كانت تصدر بشكل أسبوعي، قبل أن تتحول إلى الصدور اليومي عام 1972، في الوقت الذي اضطرت "الخليج" فيه إلى التوقف عن الصدور نتيجة الصعوبات المالية التي واجهتها، ناهيك عن الصعوبات السياسية التي تعرضت لها، متمثلة في الإيقاف والمصادرة أكثر من مرة من قبل دار الاعتماد البريطاني قبل استقلال الإمارات.

نتيجة المواقف القومية التي كانت تتبناها الصحيفة، التي صدرت وسط أجواء سياسية تموج بالأحداث المهمة، حيث كانت فكرة الاتحاد التساعي لا تزال مطروحة، وكان الفكر القومي الوحدوي يخوض معركة الدفاع عن النفس بعد نكسة يونيو 1967.

ومن هنا، نظر إليها الشباب الخليجي المثقف آنذاك كسياج لآماله وأحلامه الوطنية والقومية التي كانت تقاوم الإحباط، وتحاول النهوض من جديد.

إصدار صحيفة "الخليج" من قبل الراحلين الكريمين، تريم وعبد الله عمران تريم، عليهما رحمة الله، في ذلك التوقيت، شكل البداية الحقيقية للصحافة الخاصة في الإمارات، وهي صحافة لها تاريخها الذي ربما يجهله الكثيرون، حيث تبرز فيه أسماء كثيرة يجب أن يسجلها تاريخ الصحافة الإماراتية بكل الفخر والإعزاز.

فقد أصدر راشد بن عويضة صحيفة "الوحدة" عام 1973، وأصدر عبيد المزروعي صحيفة "الفجر" عام 1975، وما زالتا مستمرتين في الصدور حتى الآن، كما أصدر أحمد سلطان الجابر صحيفة "صوت الأمة" عام 1975 وتوقفت عن الصدور عام 1978.

وأصدر محمد ماجد السويدي عام 1974 صحيفة "الوثبة" التي توقفت عام 1978، لتعود إلى الصدور مرة أخرى عام 2000 تحت اسم "أخبار العرب"، بعد أن تحولت ملكيتها إلى الشيخ سعيد بن سيف آل نهيان، ثم تغير اسمها مرة أخرى إلى "الوطن" الذي تصدر به الآن.

من بين كل الصحف الخاصة، تميزت "الخليج" بعد عودتها إلى الصدور مرة أخرى عام 1980، إثر توقف دام 8 سنوات، بالاستمرار والحضور القوي، والقدرة على منافسة صحيفتين حكوميتين كبيرتين، هما "البيان" و"الاتحاد"، الأمر الذي أثرى الساحة الصحفية المحلية وأعطاها زخماً، ذلك أن جو المنافسة هو الذي يخلق النجاح والتألق الذي تحتاجه أي وسيلة إعلامية.

في حين أن استفراد وسيلة ما بالقارئ أو المستمع أو المشاهد، يجعل هذه الوسيلة تقف عند حدود معينة، ولا تسعى إلى تطوير نفسها بالقدر الذي يرتقي بالوسيلة، ومن ثم بالحركة الإعلامية كلها.

نستذكر هذا، ونحن نودع الدكتور عبد الله عمران تريم، عليه رحمة الله، لنذكِّر بأن تاريخ الإعلام الإماراتي لم يكتب حتى الآن بالشكل الذي يرصد بالتفصيل نشأته وتطوره ويوثق مسيرته، ويستقصي أسماء رواده الأوائل، الذين كان لهم الفضل في وضع اللبنات الأولى لهذا الإعلام، بدءاً من ستينيات القرن العشرين وحتى اليوم.

وهي فترة ليست بعيدة بمقياس التأريخ، خاصة وأن بعض الذين شهدوا تلك الفترة وساهموا في التأسيس ما زالوا على قيد الحياة، ما يمثل فرصة يجب استغلالها من قبل الباحثين وأساتذة الإعلام وطلبته في الدولة، حتى لا يضيع هذا التاريخ بغياب هؤلاء المؤسسين، أمد الله في أعمارهم.

فما هو مكتوب عن تاريخ إعلام الإمارات لا يعدو كتباً محدودة، حسب علمي، أذكر منها، على سبيل المثال لا الحصر، ما كتبه كل من الدكتور عبد الله النويس والصحافي أحمد نفادي، والجهد الطيب الذي بذله الدكتور عارف الشيخ في جمع الوثائق والأحاديث من الذين أسهموا في تأسيس وإطلاق "تلفزيون الكويت من دبي" عام 1969.

وهي جهود طيبة يُشكَر عليها الباحثون الذين قاموا بها، كما يُشكَر كل من ساهم بجهد في هذا المجال ممن لم يحضرني اسمه، أو لم يُتَح لي الاطلاع على جهده..

لكنني أجدها فرصة، ونحن نودع رائداً من رواد الإعلام الإماراتي، أن ندعو من هم على قيد الحياة من بقية الرواد كي يسجلوا تجربتهم بأقلامهم، كما ندعو أساتذة الإعلام وطلابه إلى البحث عن هؤلاء الرواد، واستقصاء مسيرة الإعلام في الإمارات، من مرحلة البدايات وحتى عصر الفضائيات والإنترنت والإعلام الجديد، لأن الإعلام هو ذاكرة الشعوب، ولأن ذاكرتنا غنية ومشرفة، ولأن التوثيق هو الذي يحفظ هذه الذاكرة ويحافظ عليها.

رحم الله الراحل العزيز أبا خالد رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، فقد كان محفزاً لنا وهو حي، مثلما هو محفز لنا وهو في ذمة الله، الذي لا تضيع ودائعه، وإن كانت ذكراه باقية بيننا.