غزيرة هي الأخبار التي تأتينا كل يوم، فيصعب على المرء الإلمام بها كلها، ناهيك عن تصنيفها. لذلك تجدنا، مهما كان اهتمامنا وإلمامنا، نعجز كثيرا عن ربط الأخبار المتفرقة التي تأتينا من كل حدب وصوب، في حين أن الأخبار مثلها مثل قطع الموزاييك، لو وضعتها جنبا إلى جنب تعطيك صورة مكتملة لها معنى يختلف تماما عن النظر إلى القطع الصغيرة كل على حدة، فلا تعني شيئا.
انظر، على سبيل المثال، أخبارا ثلاثة جاءت من الساحة الأميركية مؤخرا. فمنذ شهور الصيف، تشهد الدوائر الأكاديمية جدلا صاخبا، مصدره مقاطعة الجمعيات الأكاديمية لإسرائيل، والجمعيات الأكاديمية تضم المئات من أعضاء هيئات التدريس والباحثين في تخصص معين. والجمعية التي أثارت أغلب الجدل هي الجمعية الأميركية للدراسات الأميركية، فهي من أهم الجمعيات الأكاديمية الأميركية وأقدمها، وتضم 5 آلاف أكاديمي من المتخصصين في الدراسات الأميركية.
وقد ثار الجدل حين أصدرت الهيئة التنفيذية للجمعية بالإجماع، قرارا بمقاطعة المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية ورفض كل أشكال التعامل معها. وقد جاء في حيثيات القرار أن "الحرية الأكاديمية للطلاب والأكاديميين الفلسطينيين غائبة تحت الاحتلال، ومؤسسات التعليم العالي في إسرائيل مشاركة في سياسات دولة إسرائيل".
وبمجرد صدور القرار، طرحت الهيئة التنفيذية المسألة للتصويت من جانب الجمعية العمومية، فوافق 66% من أعضاء الجمعية على تلك المقاطعة. لكن القرار أثار ردود فعل غاضبة من أنصار إسرائيل، الذين ضغطوا بشدة حتى قام رؤساء حوالي 90 جامعة أميركية ـ بما في ذلك بعض جامعات القمة مثل كولومبيا وييل وهارفارد ـ بالإعلان عن رفضهم لقرار جمعية الدراسات الأميركية. غير أن القرار بدلا من أن ينهي القصة، أشعل الدوائر الأكاديمية التي اعتبرت قرارات رؤساء الجامعات "فردية" لا تمثلهم.
ورغم أن الغلبة لا تزال لأنصار إسرائيل داخل أغلب تلك الجامعات، إلا أن الجدل لا يزال صاخبا داخل الجامعات الأميركية، بخصوص الموقف من مقاطعة المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية.
أما الخبر الثاني، فيتعلق بالاستياء الأميركي واسع النطاق، الذي أثارته تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي. فهو وصف وزير الخارجية الأميركي جون كيري بأنه "ليس وسيطا نزيها"، ووصف مبادرته للتسوية السياسية بأنها "لا تساوي أكثر من الورق الذي كتبت عليه".
وهو ما اعتبره الكثيرون إهانة غير مقبولة للوزير الأميركي، خصوصا أن وزير الدفاع الإسرائيلي لم يعتذر، وإنما قال إنه "يأسف، لو أن كلماته جرحت وزير الخارجية"! حتى نتانياهو لم يسع لرأب الصدع، وإنما دافع ضمنيا عن وزيره قائلا بصلف، إن الخلاف بين الولايات المتحدة وإسرائيل ظل دوما "خلافا موضوعيا لا خلافا شخصيا".
ولم يقتصر الاستياء داخل أميركا على دوائر صنع القرار، وإنما طال هذه المرة رموزا معروفة بتشددها في مناصرة إسرائيل. فعلى سبيل المثال، انتقد دانيال إبراهام، صاحب مركز إبراهام للسلام في الشرق الأوسط وأحد ممولي لوبي إسرائيل في واشنطن، الموقف الإسرائيلي من كيري، ليس فقط ما يتعلق بإهانته، وإنما أيضا الرفض الإسرائيلي لما يطرحه كيري في إطار تسوية.
وحذر إسرائيل من عواقب ما تفعله حكومتها الحالية، ضد ما اعتبره آخر فرصة لإسرائيل لتسوية تتبناها الولايات المتحدة. وقال للمسؤولين الإسرائيليين ألا يندهشوا إذا لم تعرهم أميركا بالا لو فشلت هذه المرة في تحقيق التسوية، وهو ما يعني أن تتولى الوساطة أطراف مثل مجلس الأمن أو الاتحاد الأوروبي، وكلها لم ولن تكون منصتة لرغبات إسرائيل كالولايات المتحدة.

أما الخبر الثالث، فقد ارتبط بموقف إسرائيل الرافض للاتفاق المؤقت الذي عقدته مجموعة 5+1 بزعامة الولايات المتحدة مع إيران. فقد فجر هذا الخلاف الأميركي الإسرائيلي الساحة الأميركية ضد لوبي إسرائيل في واشنطن، الذي تبنى الموقف الإسرائيلي بالكامل، فكتب مشروع قانون يقضي بفرض المزيد من العقوبات على إيران، ودفع بقوة لمروره من مجلسي الكونغرس، في الوقت الذي تستعد فيه واشنطن لبدء مفاوضات الأشهر الستة مع طهران، والتي نص عليها الاتفاق المؤقت. وما يجري الآن على الساحة الأميركية من هجوم على لوبي إسرائيل، يمثل تحولا غير مسبوق من حيث نطاقه وطبيعته.
فقد استطاع لوبي إسرائيل بزعامة لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية، والمعروفة اختصارا باسم "إيباك"، بحشد أعضاء مجلس الشيوخ لمساندة مشروع القانون، ونجح في استقطاب 16 عضوا ديمقراطيا ليصطفوا مع الجمهوريين ضد الرئيس الديمقراطي. وهو ما أثار غضب البيت الأبيض، بل وعدد كبير من أهم أنصار إسرائيل.
فعلى سبيل المثال، السيناتورة دايان فاينستين، وهي من أكثر أعضاء الكونغرس دعما لإسرائيل، ألقت خطابا أمام مجلس الشيوخ قالت فيه "بينما أتفهم قلق إسرائيل، فإننا لا يمكن أن نجعلها تحدد متى وأين تدخل أميركا حربا. ومشروع القاون إذ ينص على إلزام الولايات المتحدة بدعم إسرائيل لو هاجمت إيران" يفعل ذلك.
ولم تكن فاينستين وحدها التي انتقدت اللوبي، فقد تحدثت وسائل إعلامية كبرى كـ "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست" وقناة إم إس إن بي سي الإخبارية، صراحة عن دور إيباك في الدفع نحو تدمير فرص الاتفاق الأميركي مع إيران. فعلى سبيل المثال، قالت "نيويورك تايمز" صراحة إن وراء موقف أعضاء الكونغرس حسابات سياسية، حيث "صعدت إيباك من ضغطها".
وإذا ما وضعنا الأخبار الثلاثة جنبا إلى جنب، يمكننا بوضوح أن نتبين أن هناك تحولا مهما في الساحة الأميركية، ليس فقط بخصوص الممارسات الإسرائيلية في الأرض المحتلة، وإنما بخصوص اتساع نطاق من صاروا يدركون الدور الخطير الذي يلعبه لوبي إسرائيل، بل وتباين المصالح بين أميركا وإسرائيل.