إنها الحرب الباردة أو ما يشبهها.. قطب يتقدم وقطب يتراجع، ليعودا للالتقاء في منتصف النهار. أميركا التي تعبت من حمل العالم وحدها منذ انهار الاتحاد السوفييتي، وروسيا بوتين وريثة السوفييت والقياصرة، خليط من الماضي البعيد والماضي القريب.

كان المشهد في مونترو يشي بذلك، إذ لم يكن هناك سوى ذاك الطويل الجالس إلى أقصى يمين الطاولة، جون كيري، وذاك المتجهم كجندي بلشفي إلى أقصى يسارها، سيرغي لافروف. لكأن العالم عاد يميناً ويساراً، ووسطاً لا حول له ولا رأي. الموجودون رجلان فقط، رغم الحاضرين الكثر.. وعلى منتصف الطاولة سوريا تخضع لعملية جراحية، وإن نقص الدم فليأتوا به من شوارع حمص وحلب وإدلب ودرعا، فهناك سال الدم حتى الركب!

لم يكن ثمة جديد في المواقف، سوى أن طرفي الأزمة، نظام دمشق وائتلاف المعارضة الذي لم يمثل كل أطيافها وأقرب داعمي الطرفين، صعّدا نبرة الخطابة إلى الحد الأقصى، وهذا أيضاً ليس بالأمر المفاجئ، فالمفاوضات في العادة تبدأ بأعلى السقوف وكل المطالب، لتبدأ بعد ذلك مرحلة المساومات والمقايضات والبحث عن حلول وسط وتسويات.

الفجوة واسعة جداً بين الفريقين ومن يقف خلفهما.. لذلك يجري الحديث عن هدنة، وليس عن مؤتمر يستمر لبضعة أيام وينتهي إلى اتفاق شامل. والكلمة الفصل في المفاوضات على الطاولة، لموازين القوى في الميدان، والأرجح أن المحتربين، وإن كانوا قد تعرضوا للإنهاك والإجهاد، إلا أن قدراتهم على المضي في القتال ومواصلته لا تبدو محدودة، على الأقل في المدى المنظور.

ومن المؤكد أن مسار التفاوض سيسير جنباً إلى جنب مع اشتداد حدة المواجهات على الأرض، التي تحترق وتشهد معارك كر وفر بين أكثر من طرف، خاصة أن الطرف القوي لا تهمه المفاوضات ولا سوريا، بل ما يهمه هو إقامة «الدولة الإسلامية في العراق والشام». لقد أصبحت سوريا قاعدة رئيسة لـ«القاعدة»، وربما هذا هو المقصود من مجمل ما جرى ويجري في سوريا، فالقاعدة أمضى أنواع أسلحة الفتنة الشاملة.

ولنا في التقسيم الفعلي غير المعلن في العراق مثال، ولنا في ما يجري الآن في مصر مثال آخر أخطر ضد الأمة العربية.

ليست هذه مصر التي نعرفها، ولا مصر التي نريدها، ولا مصر التي من دونها لا حرب ولا سلام.. ونضيف؛ ولا استقرار للأمة العربية من دونها.

إنها مصر «ادخلوها بسلام آمنين»، ومصر عمرو بن العاص، ومصر صلاح الدين، ومصر عبدالناصر. في قوتها قوة للعرب، وفي نيلها ماء يروي الملايين.

إنها حرب الإرهاب بكل تفاصيلها وأدواتها ووحشيتها.. هدم الدولة لتحقيق وهم السيطرة على ثرواتها ومقدراتها ومقومات وجودها قوية.

ما الذي أوصل مصر إلى هذا الوضع المأساوي، غير خطف الثورة وتسميم أجوائها ودق الأسافين بين كل فئة وفئة من أبناء شعب مصر، وزرع الفرقة في الشوارع والمؤسسات والأحزاب والتيارات التي كان يفترض أن تحل خلافاتها في جلسة على النيل، لا في المعسكرات والزنازين!

لقد كان الجيش ومنذ بداية ثورة مصر، الحريص على أمن مصر، يراقب ولا يتدخل، يصون المكتسبات ولا يدمرها، يؤمن بالديمقراطية ويحميها، لكن ليست ديمقراطية الحزب الواحد ونزعة السيطرة على الدولة من داخل الدولة.

الجيش ليس منزهاً ولا هو قادم من المريخ، لكنه حامي البلد حين يتهدد البلد عدوان الإرهاب وغير الإرهاب. ثمة عدو متربص بالجيش المصري منذ انتصار أكتوبر، وقبله حرب السويس، وقبلها حرب 1948، وقبل قبل ذلك دروس التاريخ التي أثبتت أن الأمة لا تستقيم ولا تستريح ولا تنتصر في حرب منذ الصليبيين والإسرائيليين، إلا بمصر وسوريا كفكي كماشة تعصر كل محتل ولو بعد حين! وليست مصادفة أن يتعرض جيشا البلدين لهذه الهجمة، باسم الربيع تارة وتارة باسم الدين!

لقد تحول جنيف-2 من مؤتمر لحل الأزمة السورية، إلى مؤتمر لحل أزمة الشعب السوري الإنسانية، والتوصل إلى هدنة ما تمكن من إيصال المساعدات الغذائية إلى المناطق المحاصرة.. وكدنا نقول المحتلة.

لقد تمت الصفقة بين القطبين على اقتسام الكعكة، حين خرج الدب الروسي عن حياديته الباردة وأرسل السفن الحربية إلى مياه المتوسط قبالة السواحل السورية، وقال للأمريكان إن «دمشق هي بوابة موسكو ولن ندعكم تدخلون عاصمتنا».

وتمت المقايضة: سوريا منهكة مدمرة شبه مقسمة منزوعة الدسم تحت سيطرة موسكو، مقابل وقف المشروع النووي الإيراني. وفي المحصلة «ضمان أمن إسرائيل»، هذا الأمن الذي لا خلاف عليه بين روسيا وأميركا.. ولا عزاء للعرب!