من أهم الشعارات التي ترفعها وتسهر عليها منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو) أن الحروب والصراعات تبدأ في عقول البشر.

ونزعم أن مبادرة اليونسكو بتأجيل معرض للصور، كان من المقرر استضافته بمقرها في باريس، بالتعاون مع مركز فايزلتل لمحاربة النازية، تحت عنوان " الناس، الكتاب، الأرص، علاقة 3500 عام بين الشعب اليهودي والأرض المقدسة "، قد اتسقت تماما وهذا الشعار.

الموضوع الذي ينطوي عليه ويستبطنه هذا المعرض ، يمثل نموذجاً صارخاً على أن الثقافة قد تستخدم لابتداع تواريخ وإقرار صور ذهنية، تسوغ لواحدة من أبرز عمليات التدليس السياسي.

ولاريب في أن مرور هذا النموذج، في اطار الأجواء الصراعية التي تشهدها "الأرض المقدسة"، كان من شأنه توظيف مقام اليونسكو الرفيع في بث الرواية الصهيونية لتاريخ هذه الأرض ماضيا، علاوة علي الترويج لكثير من الاسقاطات العاطفة علي، والمنبثقة عن، هذه الرواية في الحاضر والمستقبل.

بصيغة أخرى ، نحن نزعم أن المعرض الصهيوني الموقوف، لايبتعد عن كونه وصفة مثالية لتأجيج صراع لاتنقصه السخونة ؛ الأمر الذي يعاكس علي طول الخط مرادات اليونسكو وشعاراتها الانسانوية السلامية.

ظاهر الحال أن مديرة اليونسكوايرينا بوكوفا قد ناوشت هذا المغزى، دون قصد، وهي تعلل قرار التأجيل، عندما أشارت الى " .. التزام اليونسكو بدعم المفاوضات بين الفلسطينيين والاسرائيليين.." .

لقد جاء هذا التبرير على سبيل الاستدراك وليس عن وعي ذاتي لديها بمهمة اليونسكو وضرورة تجنيبها الانغماس فيما يخالف أهدافها . هذا والا لكانت بوكوفا عارضت تنظيم المعرض منذ لحظة اقتراحه وليس قبيل أيام معدودات من انعقاده.

في كل حال، علينا أن نثمن هذا الموقف، الذي وان جاء متأخراً الا انه حال دون وقوع أضرار فكرية وتاريخية واعلامية دعائية، كانت ستلحق بالرواية الحقيقية للصراع في فلسطين وجوارها.

وأهم من ذلك، أن نلحظ بعناية صلابة الرفض العربي الموحد ضد تمرير هذا المعرض الصهيوني القح وانصياع ادارة اليونسكو لهذا الموقف، بل والاشارة اليه بكثير من الاحترام، حتي لانقول الطأطأة ".. تلقت أمانة المنظمة رسالة من 22 دولة، أعربت فيها عن قلقها من امكانية أن يؤثر المعرض المزمع بشكل سلبي علي عملية السلام والمفاوضات الجارية في الشرق الأوسط..".

اشتقنا فعلا لمثل هذه اللغة وهذا الموقف العربي الموحد، اللذين نحسب انهما المسؤولان عن اعادة اليونسكو لحساباتها تجاه المطلب الصهيوني. وليس من قبيل المبالغة الزعم بأن هذه الغضبة الطارئة ، في زمن عزت فيه التجليات الوحدوية العربية، هي التي أدت الي استثارة التحالف الاسرائيلي الأميركي واستشاطته ازاء النجاح في تأجيل المعرض.

فهذا التحالف يعلم يقينا أنه لن يعجز عن ايجاد جهات أخري ترحب باستضافة هكذا مناسبة .. ولعله قبل ، ولو علي مضض ، بمبدأ التأجيل نزولا عند دعوي اليونسكو بعدم التشويش علي المفاوضات الجارية .

بيد انه لايمكنه التسامح مع أي ارهاصات لاطلال مواقف عربية موحدة، ضاغطة ومقبولة الشفاعة والرأي في منظمة دولية بحجم اليونسكو.

على ان الاستبشار بهذه البارقة العربية، يظل مجروحاً وعرضة لشيء من النقد.. فرفض المعرض تأسس على كونه ".. يؤثر سلباً على المفاوضات وعملية السلام..." ، وهذه حجة مبتسرة ولا تمثل سوى رد بروتوكولي أو شكلي. الأكثر عمقاً وجدوى من ذلك، هو الدفع بسخافة الاستماع الى الرواية الصهيونية من الأصل، لخلطها التاريخي واصطناعها ولاصدقيتها وتداعياتها السيئة على التاريخ الصحيح لفلسطين والشرق الأوسط.

ويندرج تحت هذا السياق، تفنيد ما تنطوي عليه مقولة الصهيوني الحاخام مارفن هير، صاحب مركز فيزنتال، من أن "..اليونسكو يفترض منها تعزيز الحوار مع المجتمعات المدنية .." .. فاليونسكو ليست مثابة للتظاهرات العشوائية اللامنضبطة، ولا هي هايد بارك يقول فيه كل من هب ودب ماشاء عن تواريخ أو ثقافات الأمم والشعوب .