إن تعاقب الليل والنهار لدليلٌ يومي على أن دوام الحال ليس بمتيسّر، وأن تقلّب الأمور وتباين الأحداث هو المنطق الوحيد، الذي تقوم عليه هذه الحياة، وأنّه لا صعود دائم للانسان كما أنه لا سقوط أبدي إلا لمن ارتضى لنفسه بالنوم والقبول بالعيش على هامش التاريخ.
إن فهم هذه البديهية فعلاً والعيش في ضوئها يجعلنا أكثر قدرة على تقبّل صدمات الدنيا وعثرات الأيام اللامتوقعة، فالثبات العاطفي والقدرة على امتصاص الأثر السلبي لتلك الحوادث المؤلمة هو "شعرة معاوية" بين الانسان وبقاء جذوة طموحه وحماسه حيّة، فكثيرون أولئك الناجحون الذين فاجأتهم الأيام بعثرات لم تكن في الحسبان فسقطوا ولم يستطيعوا الخروج من زوايا البكاء ولوم الدنيا والظروف وجلد الذات.
لأنهم لم يعوا فعلاً سُنَن الله في الحياة ولم يتعلموا من أحداث التاريخ البشري شيئاً كثيراً سوى أنّ "من جَدَّ وَجَد ومن سار على الدرب وصل"، ورغم صحّة هذه المقولة إلا أنها ليست بهذه البساطة، فتبسيط الحقائق بطريقة ساذجة يعود بعواقب ليست بمحمودة على الانسان.
فليس كل من جدّ سيجد نتاج جدّه إن لم يرع ما حوله من ظروف ويختبر ما يحيط به من فرص نجاح أو عوامل فشل، وليس كل درب تنطلق أقدامنا فوقه سيصل بنا إلى مرادنا دون عراقيل أو أقداماً أخرى تزاحمنا بل وربما تحاول عرقلتنا و كأنها بيبي يحاول ايقاف ليونيل ميسي!
إن الانتصار يبدأ من العقل الباطن، وذلك الشعور لا يمكن أن يتولّد بشكلٍ عبثي، ولا يمكن أن ينجح في الظهور والتبرعم والاثمار دون أن نعي فلسفة الحياة وسياق التاريخ وعوائده في قلب الأمور دون أن يستأذن "سيادتنا"، فتوقع الأمور السيئة ليس أمراً سوداوياً .
بل هو تفكير منطقي لكي يستعد الانسان لما قد يواجهه دون تحضير وليرسم لنفسه مجموعة سيناريوهات وخططاً بديلة في حالة أنْ خذلته الظروف أو لم تجرِ الرياح وفق ما تشتهيه أشرعة سفينته، فبمثل هذا التوقع للأسوأ مع ايماننا بأهمية التفاؤل- يجعلنا أكثر قدرة على العودة من جديد، وأسرع وثباً بعد أن نسقط قبل أن يجرجرنا المتباكون والنائحون ممن سقط ولم يحاول النهوض إلى مستنقعهم المظلم!
سقط نابليون وهزم وتم نفيه لكنه عاد من جديد ليهز عروش أوروبا وهو يقول : "إذا رأيت عدوّك يعمل الخطأ فلا تقاطعه"، ولُوحِق عبدالرحمن الداخل من الشام حتى اسبانيا بسيوفٍ مأجورة متعطشة لقتله ولكنه نجح في النجاة وأسسّ امبراطورية لامعة في الأندلس تعتبر من ومضات التاريخ الانساني التي لا تُنسى.
وأقيل ستيف جوبز من شركته التي أسسها بنفسه ولكنه عاد بعد عشر سنوات منتصراً ليقودها من جديد لتصبح أعظم شركة تقنية في العالم، وسُجن مانديلا 27 عاماً في أتون سجون العنصريين البيض ثم خرج ليحكم بلاده وليصفح عمّن أساء له.
فالكبار يسقطون لكنهم يعودون أقوى مما كانوا لأنهم يعلمون أن الرياح لا تهب دوماً من نفس الجهة كما أنها لا تهب بنفس القوة، ولأنهم يعيشون فعلاً ذلك الايمان العميق بقدرتهم على خلق الفارق وأنهم كما ينظرون لأنفسهم سيقوم التاريخ بتقديمهم للدنيا تماماً كما كان دزرائيلي رئيس الوزراء البريطاني الشهير يقول : "غَذِّ ذهنك بالأفكار العظيمة، لأنّ الايمان بالبطولة يخلق البطل"!
عندما تسقط تذكّر أنّ سقوط الأمطار هو أكبر انتصار للأرض الخصبة وأعظم غوثٍ للصحارى الجرداء وأنّ سقوط التفاحة فتحت لنيوتن باب أعظم الاكتشافات الطبيعية، فليس عيباً أن تتعثر وتقلب لك الدنيا ظهر المِجَنّ ولكن العيب أن تنوح كالأرامل وكأن القدر سيرقّ و (ينكسر خاطره عليك) لمجرد بكائك، وليس خطأً أن تفشل فمن لا يفشل لن يعرف حقيقة النجاح ومن لم يتذوّق مرارة الهزيمة لن يتلذذ بحلاوة الانتصار.
فشل توماس أديسون أكثر من تسعمئة مرّة في اشعال المصباح الكهربائي وعندما نجح أخيراً سأله بعض من كان ينتظر تسليمه بالفشل : ألم تيأس وقد فشلتَ أكثر من تسعمئة مرة؟، فردّ عليهم بفلسفة تختصر سبب نجاح العظماء وتعطي أكبر "طراق" للباحثين عن فشل الكبار : "أنا لم أفشل .. بل تعلّمتُ أكثر من تسعمئة طريقة لا تُشعل المصباح "!
لقد فهم أديسون اللعبة وعرف ما يختبيء خلف تلك الأسئلة التي تتصنّع "الحنيّة" والشفقة، فالشامتون هم الخندق الأكبر أمام تعافي الكبير وعودته للنجاح، فإنْ (كسروا مياديفه) وهدّوا عزيمته بكلامهم المريض فلن يقوى على العودة إطلاقاً مهما امتلك من المواهب ومهما واتته من فرص جديدة.
فإنكسار الهمّة لا يجبره ضماد ولا تفيده رُقى وأدعية، والثبات النفسي وصلابة الإيمان بالنفس بعد الثقة بالله تعالى هي الوقود الذي لا يمكن أن ينضب لدوام المحاولات حتى يضع المرء قدميه على قمّة النجاح مهما سقط وتعثر عندما يرتضى الهَمَلُ والفاشلون أن يعيشوا في حضيض الأماكن وهامش الدنيا.
فعندما تسقط قف سريعاً لترى الدنيا أنها تواجه شخصاً فذاً كما يقف "ميسي" كل مرة يُسقطه فيها "بيبي" لأنه يعلم يقيناً أنّه يصنع تاريخاً مختلفاً للكرة، تاريخٌ لن يأبه ولن ينحني لعرقلة هوجاء من "عصاقيل" مدافع بائس.