لم تكن العبارة التي أطلقها الخبير الاستراتيجي جيمس كارفيل في حملة كلينتون الانتخابية مجرد جملة، بل كانت مفتاحاً لفوز بيل كلينتون على جورج بوش الأب، الذي كان وقتها المرشح الأقوى، فعبارة "إنه الاقتصاد، يا غبي" جعلت عدداً كبيراً من الأميركيين يتجاهل نجاحات الرئيس الأميركي في حرب الخليج الثانية، والحرب الباردة، ويعاقبه على تراجع الاقتصاد.
نعم، دائماً السر في الاقتصاد، لكن إشكالية العالم العربي أنهم يهتمون كثيراً بالأفكار والخطط، ولكن عند التنفيذ تكون النتائج محبطة. والقضية ليست في قصور قدرات الفرد العربي أو في ضعف الإمكانات، بل هي في الإدارة، التي تحتاج إلى قيادة تقود المشروع إلى النجاح، وتعطي الفرص للأفراد في إظهار أفضل ما لديهم.
وهناك من يشكك في قدرات الإنسان العربي، بينما التجارب تثبت أن المهاجرين العرب عندما ينتقلون إلى بيئات مناسبة ينجحون، بل ويتجاوزون الآخرين، فالقضية أنه إذا كانت هناك إرادة وإصرار، فهناك نتيجة تتحقق، فالمبادرات ومحاولة التجديد والابتكار، تعطي فرصاً جيدة للنجاح.
وقصص النجاح في العالم العربي موجودة لمؤسسات تمتعت بقيادات تجاوزت الأطر التقليدية، وصنعت نجاحات كبيرة. والغربيون الذين كانوا ربما يتجاهلون بدايات هذه الشركات، عادوا وشعروا بالمنافسة، ومن ثم بدأوا يضعون القيود التي تحد من نجاح هذه الشركات، فالخطوط الإماراتية (طيران الإمارات) واحدة من قصص النجاح المثيرة في العالم العربي، وتواجه الكثير من حروب المنافسة، وسياسات الحماية على أكثر من صعيد، وخاصة في السوقين الأوروبي والأميركي، وبعض الدول يرفض إعطاءها زيادة السعة المقعدية، خوفاً من المنافسة.
هذه الشركة التي بدأت في 1985 بطائرتين مستأجرتين، وتفوز في 2013 بجائزة أفضل ناقلة في العالم، تقدم واحدة من الحالات الدراسية لقصص النجاح، ليس في المنطقة فحسب ولكن عالمياً، وهي وجود القيادة التي وضعت الرؤية الواضحة، ونجاح الإدارة في ترجمة هذه الخطط إلى واقع.
وبالتأكيد التحديات والتشكيك، الذي واجهته الشركة كان من الممكن أن تجعلها تتعثر في مرحلة من المراحل، أو على الأقل تتوقف عند نقطة معينة، لكنها في أصعب الظروف واصلت مخططاتها التوسعية، بفضل الرؤية الواضحة للقيادة.
هذه النظرة التي كانت تتجاوز المرحلة التكتيكية المرتبطة بظرف وقتي معين، وكانت تراهن على مشروع استراتيجي مستقبلي ضخم، وبالتالي أثمرت هذه الرؤية في زمن قياسي نتائج جعلت الآخرين يراجعون حساباتهم.
والنجاح يولد نجاحات أكبر، فبينما كان العالم يراقب، والبعض الآخر يحارب هذه الشركة "المجنونة"، فوجئ العالم في معرض الطيران في دبي قبل عدة شهور، بأكبر صفقة طيران في التاريخ تقارب قيمتها مئة مليار دولار.
وقد أثارت هذه الصفقة حالة من الذعر في مكاتب شركات الطيران العالمية، حتى إن مراقباً في صناعة الطيران قال "إنهم يطبقون استراتيجية بسيطة، وهي أنهم يريدون السيطرة على العالم"، بينما قالت نقابة الطيارين الأميركية إن هذه الشركة تمثل تهديداً اقتصادياً لشركات الطيران الأميركية وموظفيها. اللغة في العواصم العالمية اختلفت، ليس فقط لأن للنجاح ضريبة، بل لأن له أيضاً أعداء.
وهذه التجربة تبين بوضوح أن النجاح ممكن، وأن الإنسان العربي لديه قدرات لا تقل عن غيره، ولكن استثمارها بالشكل الصحيح، وفي البيئة المناسبة هو الذي يعطي نتائج مثمرة.
والعالم ينظر لكثير من المشاريع في المنطقة نظرة تشكيك وتجاهل في البداية، ولكنهم متى ما شعروا بالمنافسة فإن البعض يبدأ في إيجاد المبررات لإيقاف هذا النمو، فمثلاً حينما نجحت سابك (وهي الشركة السعودية الضخمة المتخصصة في الصناعات البتروكيماوية)، بدأت دول تفرض ضرائب انتقائية على المنتجات البتروكيماوية، بحجة أنها منافسة غير عادلة، وأن هذه الشركة تتمتع بمزايا تفضيلية لا تمتع بها الشركات في الدول الأخرى. وبدأت سابك في حرب قانونية مع كثير من الدول، لتجنب الضرائب والمطالبة بتطبيق مبدأ فتح الأسواق، واستطاعت أن تربح عدداً من الدعاوى في هذا المجال.
وسابك قصة نجاح مثيرة في تفاصيلها، ولكنها أيضاً تكشف دور الإدارة الناجحة في ترجمة المشاريع الورقية الضخمة إلى واقع ملموس، فحينما بدأت واجهت حملة تشكيك ضخمة، ويقول الرجل الذي خلف نجاحاتها وولادتها الدكتور غازي القصيبي، رحمه الله: "أذكر أن صحافيا ًبريطانياً زارنا أيامها، وكتب أنه دخل مبنى ضيقاً في زقاق صغير، فوجد بضعة شبان يزعمون أنهم سيقيمون أضخم المجمعات البتروكيماوية في المنطقة".
نعم لغة ساخرة، ولكن سابك الآن واحدة من أكبر الشركات في العالم في الصناعات البتروكيماوية، وأرباحها في العام المنصرم تجاوزت ستة مليارات دولار، بل واستطاعت أن تستحوذ على مراكز إنتاج ومصانع في قارات مختلفة من العالم. هذه النتائج توضح أنه لا يوجد مستحيل متى كانت الإرادة موجودة، وهذه الشركات وغيرها في العالم العربي، تعطي رسالة واضحة بأنه بإمكاننا أن ننافس ونصنع نجاحات مثيرة، مهما كانت حملات التشكيك والتهميش، فهم في البداية، كما يقول غاندي، يتجاهلونك، ثم يسخرون منك، ثم يهاجمونك، ثم تنتصر.