هل حدث أن ذهبت لتجديد جواز سفرك، وخرجت بعد ساعتين من الانتظار بجواز السفر القديم الذي أتيت به لأن "السستم داون"، وطابور المراجعين أصبح على وشك الوصول إلى الباحة الخارجية من المكان الذي أتيت إليه؟

هل حدث أن ذهبت لاستخراج شهادة ما من إحدى الدوائر، وخرجت بعد ساعتين من الانتظار دون أن تحصل على الشهادة المطلوبة، حاملاً معك اعتذار الموظف الذي لم يستطع أن ينجز لك معاملتك لأن "السستم داون"، وليس ثمة وسيلة للعودة إلى الشهادات التي كان يحررها لك الموظف بيده في أقل من دقيقة، أو قبل أن يرتد إليك طرفك، مثلما فعل الذي عنده علم من الكتاب عندما سأل سليمان، عليه السلام، عمن يستطيع أن يأتيه بعرش بلقيس من اليمن؟

هل حدث أن ذهبت لتجديد رخصتك التجارية، وبعد ساعتين من الانتظار خرجت حاملاً في يدك الرخصة القديمة، لأن موظف "الكاونتر" الجالس أمام جهاز الكمبيوتر لم يستطع إنجازها، بعد أن فشلت جميع محاولاته لفتح "السستم"، وأصبح عليك أن تؤخر جميع معاملات شركتك إلى أن يتم إصلاح "السستم"، حتى لو كلفك ذلك غرامات لن يتحملها "السستم" بالتأكيد؟

هل حدث أن ذهبت لتجديد ملكية سيارتك، وبعد أن انتهيت من فحصها عدت أدراجك إلى البيت ثانية، لأن عملية التجديد لم تكتمل بسبب "السستم" الذي توقف فجأة وأنت على "كاونتر" الموظف الذي سيكمل لك إجراءات التجديد، فوقف الموظف حائراً لا يستطيع مساعدتك؟

هل حدث أن ذهبت إلى مكتب شركة من شركات الطيران أو إحدى الشركات السياحية منتشياً، كي تنفذ خطة الإجازة التي قضيت أياماً، وسهرت ليالي، ودخلت في حوارات ومفاوضات، من أجل تنسيقها مع الأولاد وأمهم، ثم خرجت من المكتب محبطاً، لم تنجز حجزاً واحداً من حجوزات السفر والإقامة.

بعد أن عجز موظف الحجوزات عن الدخول على مواقع شركات الطيران والفنادق لأن "السستم داون"، ولم تعد ثمة وسيلة أخرى لتحقيق ما خططت له، بعد أن ولى عهد دفتر تذاكر الطيران المكون من عشر أوراق، يقص ويلصق عليها الموظف "ستيكرات" قابلة للتغيير كلما عنّ لك أن تغير حجزك؟

"إنها ضريبة التكنولوجيا"؛ هكذا سيقول لك الموظفون المغلوبون على أمرهم، الذين يجلسون أمام أجهزة الكمبيوتر لا يستطيعون تحريك ساكن، عندما لا يستجيب الحاكم بأمره "السستم" لنقراتهم، فيستنجدون بموظفي الـ"آي تي" وهم يشعرون بالحرج أمام المراجعين والزبائن، الذين يغادر بعضهم المكان فوراً يائسين من إصلاح الخلل، بينما يتقبل بعضهم الأمر في البداية، على أمل أن يتم الإصلاح خلال فترة وجيزة.

ثم يبدأ هذا البعض في التململ بعد مرور عشر دقائق دون أن يتغير الحال، ويتحول هذا التململ إلى تذمر بعد مرور نصف ساعة، ويصبح التذمر احتجاجاً بعد الساعة الأولى من الانتظار، ثم يتحول الاحتجاج بعد ذلك إما إلى ثورة على الموظف المسكين الذي لا حول له ولا قوة أمام "السستم" الحاكم بأمره.

وإما إلى تسليم بالأمر الواقع، ليبدأ من فقد الأمل في إصلاح الخلل بمغادرة المكان، ويبقى أصحاب النفس الطويل، على أمل أن يتم إصلاح العطل فيتمكنون من إنجاز معاملاتهم، كي لا يعودوا إلى المكان ثانية.

إزاء تمرد "السستم" هذا ينقسم الناس إلى فريقين: فريق يقدح في التكنولوجيا، ويتمنى العودة إلى عصر المعاملات اليدوية والملفات الورقية المرصوصة على الرفوف الخشبية والحديدية، في أقسام الأرشيف التي تشم فيها رائحة الورق الذي مضت على بعضه عقود من الزمان، وكاد يصبح مخطوطات من العصور الغابرة

. هذا الفريق غالباً ما يكون من كبار السن، إلى حد ما، الذين ولدوا وعاشوا في العصر الذهبي للورق، قبل أن تقضي عليه نظريات الإدارة الحديثة بعد أن اتخذت من التخلص منه شعاراً لها.

وهم غالباً ما يتم اتهامهم بالانحياز إلى الماضي، ليس حباً فيه، وإنما شوقاً إلى أيام الشباب الذي ولى، ولم تعد أيامه سوى شريط من الذكريات يستعيدونه للإحساس بأنهم ما زالوا على قيد الحياة.

أما الفريق الثاني فيبعد عن نفسه مظنة الحنين إلى الماضي، ويمضي مكابراً مدعياً أن العيب ليس في التكنولوجيا، وإنما في الموظفين الذين لا يعرفون التعامل معها، فيدمرون الأجهزة والأنظمة، ثم يلجؤون بعد ذلك إلى المهندسين لإصلاح ما أفسدوه.

هذا الفريق غالباً ما يتخذ هذا الموقف عندما لا يكون هو المتضرر الفعلي من هبوط "السستم"، لكنه سرعان ما يغير رأيه عندما يوضع في هذا الموقف، وتتعطل له معاملة في دائرة من الدوائر أو بنك من البنوك أو مكتب من المكاتب، فيتحسر على عصر الورق، غير آبه بما يمكن أن يُتهَم به.

ثمة حالة أقل وطأة من حالة "السستم داون" هذه، وهي حالة "السستم سلو". وهذه حالة يتقبلها المراجعون على مضض، لأنها تعني أن المعاملة سوف تنجز، لكنها قد تأخذ وقتاً أطول إلى حد ما، وهي حالة تذكرنا بالمثل الشعبي المعروف "رمد العين ولا عماها".

لذلك ما أن ينطق الموظف الجالس أمام جهاز الكمبيوتر كلمة "السستم"، حتى تجد المراجعين يدعون في سرهم: اللهم اجعله "سلو" ولا تجعله "داون". وبقي على دوائرنا العزيزة وشركاتنا المحترمة، أن تُعِدّ نفسها جيداً لعصر التكنولوجيا والحكومات الذكية، قبل أن تملأ الدنيا ضجيجاً وتُصدِّع رؤوسنا بشهادات الجودة و"الأيزو" التي يرصع مدراؤها مكاتبهم بها، ويصرفون مبالغ طائلة لنشر إعلانات عنها في وسائل الإعلام المختلفة.