لم تحظ المداخلة التي تقدم بها الاتحاد الأوروبي على خط التسوية الفلسطينية الإسرائيلية، قبل أن يطوي العام 2013 دفاتره بأسبوعين، بما تستأهله من عناية وتفنيد.

المداخلة أخذت مظهر المكافأة التشجيعية للطرف الفلسطيني، بمثل ما انها استبطنت ما يشبه التحذيرات الإنذارية للطرف الإسرائيلي. وهذه قسمة لم نعهدها في المقاربات الأوروبية السابقة بهذا القدر من الجرأة والصراحة.

عرض الأوروبيون على الفلسطينيين "الحصول على مكانة دولة غير عضو في الاتحاد، مع عطايا خاصة تتضمن ميزة الوصول إلى الأسواق الأوروبية وتسهيلات في مجالات التجارة وكل ما يتمتع به الأوروبيون أنفسهم باستثناء الجنسية واليورو". وهم قالوا إن المكانة ذاتها سوف تكون لإسرائيل، وإن شرطهم لهذه الخطوات غير المسبوقة هو إقرار الطرفين للسلام الدائم والنهائي .

في ظاهرها، تبدو هذه المبادرة وكأنها تمنح وعوداً متساوية للطرفين المخاطبين بها. لكننا لا نراها على هذا النحو، لأن الأوروبيين سبق لهم أن وهبوا الإسرائيليين مثل هذه المزايا منذ عقود. وعليه فإن سخاء العرض الأوروبي يتعلق أكثر بالفلسطينيين.

ويعرف المتابعون لعلاقات الأوروبيين الخارجية، أن ثمة قوى وكيانات دولية راسخة تتحرق لأقل بكثير مما لوح به هذا العرض لفلسطين، من قبل أن تتحرر.

وهناك جديد فارق آخر في هذا العرض، يتصل باللغة الوعيدية، التي رفعها الأوروبيون في وجه ربيبتهم القديمة وشريكتهم المشاكسة حاليا اسرائيل. نفهم هذا من اظهار امتعاضهم الصريح من تلازم مشروعات الاستيطان الاسرائيلية في الضفة المحتلة مع استحقاق الافراج عن الأسري الفلسطينيين.

وفي هذا الاطار تم ابلاغ الاسرائيليين بأن " أي اعلان عن مشروعات من هذا القبيل، سوف يمثل ضربة مميتة لعملية السلام وسيؤدي إلى تحميل اسرائيل المسؤولية عن فشل هذه العملية".

بعد هذا الموقف الأوروبي، لم تلبث الحكومة الاسرائيلية الا قليلا حتي جمدت مناقصة لبناء 1400 وحدة سكنية في الضفة ولاسيما في ضواحي القدس، كان مقررا طرحها بالتوازي مع اطلاق سراح دفعة من الأسرى . ولا ندري ما ان كان هذا التراجع قد جاء اتقاء لغضبة أوروبية ثقيلة الوزن. لكن ظاهر المشهد يوحي بذلك.

مع اطلالة العام 2014، يبدو الخط البياني للسياسة الاتحادية الأوروبية وكأنه يبشر بشيء غير قليل من التوازن والإيجابية تجاه الجانب الفلسطيني بشأن احتمال استمرارية التحرك الأوروبي غير بعيد عن دائرة النفوذ الأميركي المهيمن علي سيرورة عملية التسوية.

ومن بين دواعي هذا الحذر أو عدم الافراط في الاستبشار، أن العرض الأوروبي المغموس بالوعد والوعيد لطرفي هذه العملية قد جري بالتنسيق الكامل مع واشنطن. ا

لأمر الذي يستحضر الدور الذي طالما مارسه الأوروبيون، وهو المسارعة إلى تهدئة خواطر الفلسطينيين بتقديم الاغراءات الاقتصادية والحوافز المالية ، بالإضافة إلى شيء من الضغوط الناعمة باهتة التأثير على الإسرائيليين.

نود القول، بأن السيرة الذاتية لدور الأوروبيين في غمرة سنوات البحث عن التسوية المديدة، تثير لدينا الكثير من بواعث التحفظ ازاء أي رسائل تأتي من جانبهم. ولعل مثل هذا الإحساس هو الذي حال دون أن تنال مداخلتهم في نهاية 2013 وقفة تأمل واهتمام، أكبر مما لاقته في الأوساط العربية والفلسطينية المعنية.

ومن بين ما ينبغي الانتباه اليه، هو أن الأوروبيين لم يسبق لهم أن كانوا بهذه الأريحية مع أي ساع إلى مودتهم والشراكة معهم. ولأن الأوروبيين هم الآباء الحقيقيون لمنهج المصلحة في ادارة العلاقات الدولية، ولأننا لا نحسبهم يبيعون اسرائيل بسهولة، فلابد أن وراء هذه الهبة السخية المأمولة ما ورائها.

قبل مئة عام بالتمام ، كانت الكواليس الأوروبية مفعمة بمشروعات البحث في كيفية اغتصاب فلسطين، وتسليمها سائغة للمشروع الصهيوني. ترى هل نحن اليوم بصدد صحوة يعيد الأوروبيون فيها النظر في عواقب فعلتهم .. بالموازنة بين اعادة الاعتبار لفلسطين دون التفريط بإسرائيل ؟..أم تراهم يناورون مجدداً، تعزيزاً لوساطة الراعي الأميركي غير النزيه؟..