من الظواهر المقلقة التي بتنا نراها متمثلة أمام أعيننا كل يوم هي ظاهرة "الخرس الاجتماعي".

إنها ظاهرة الانشغال عن الآخرين وهم معنا بالأجهزة الذكية، فيكون الشخص موجوداً بجسده فقط، أما عقله وفكره فهو منشغل مع آخرين في عالم افتراضي من صنع خياله. وربما تنفض الجلسة دون أن يدور بين الموجودين سوى كلمات محدودة.

أنها إحدى الظواهر العصرية المقلقة التي نراها تسيطر على حياتنا ونتقبلها دون أن نكون قادرين على السيطرة عليها. لقد حذر علماء اجتماع وأكاديميون من تنامي هذه الظاهرة وتأثيرها السلبي خاصة على الشباب، كما عقد صندوق الزواج ندوة توعية بهذه الظاهرة وتبعاتها على الترابط الاجتماعي والتكاتف الأسرى.

هذه الظاهرة باتت الآن تؤرق الكثيرين من أولياء الأمور والمنشغلين بالشأن التعليمي كما تؤرق علماء الاجتماع والمهتمين بالشأن الاجتماعي.

وسبب تفاقم هذا الظاهرة هو الاعتماد المباشر على الأجهزة الذكية بأنواعها، هذه الأجهزة التي باتت استخداماتها تتنوع كل يوم كما يتزايد تواجدها في حياتنا العامة والخاصة.

إيجابياتها عدة ولكن أيضاً مردوداتها السلبية على طبيعة العلاقات الاجتماعية والإنسانية في المجتمع كثيرة. الاستخدامات غير السوية لهذه الأجهزة وذلك الاعتماد عليها المبالغ فيه أوجد ظواهر سلبية عدة منها ظاهرة الخرس الاجتماعي.

فما هي هذه الظاهرة؟ وكيف يمكن الوقاية منها، بل هل يمكن الوقاية منها في ظل ذلك التزايد والاعتماد الكبير على الأجهزة الذكية في كل جوانب الحياة وفي التواصل مع الآخرين؟ هل يمكن إيجاد حل لظاهرة الخرس الاجتماعي أم أنها مرض العصر الجديد ولا يمكن إلا تقبلها كضريبة من الضرائب الحضارية العديدة التي بتنا ندفعها؟

هذه الظاهرة بتنا نراها بعد أن تزايد استخدام التقنيات ووسائل التواصل الاجتماعي ودخولها كل منزل ووصولها إلى كل يد تقريباً.

فمما لا شك فيه أننا بتنا نعيش في زمن لا غنى فيه عن وسائل التقنية المتنوعة ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة التي أدى تزايد استخدامنا لها ليس فقط في سهولة وسرعة التواصل مع الآخرين ولكن إلى قضاء الكثير من أعمالنا ومشاغلنا اليومية الحيوية من خلالها.

الإحصائيات عن آثارها السلبية كثيرة مقلقة والتأثيرات الناتجة عن استخداماتها السلبية تبدو مخيفة للغاية.

فنسبة مستخدمي الفيس بوك في الإمارات مثلاً أكثر من 3.5 ملايين مستخدم وهذا يدل على أن نصف السكان تقريباً يستخدمون التقنية ويمكن التواصل معهم من خلالها.

الإحصائيات تقول أيضاً إن ما نسبته 75% من الأشخاص الموجودين في الأماكن الترفيهية مثلاً، كالمقاهي والمطاعم ممن يستخدم الأجهزة الذكية لا يتحدثون مع بعضهم البعض بسبب انشغالهم بالدردشة عبر مواقع التواصل الاجتماعي الأمر الذي له دلالات أخرى تؤكد انتشار ظاهرة الخرس الاجتماعي.

هذا الاستغلال السيئ للتقنيات مقلق للغاية ومردوده سيئ على العلاقات الأسرية خاصة وعلى العلاقات الاجتماعية عامة.

فأسرياً ظهر ما يسمى "الأسرة ذات القوقعة الفارغة"، وهي الأسرة التي لا يوجد بين أفرادها علاقات مباشرة وحميمية على الرغم من أن أفرادها يعيشون تحت سقف واحد بفعل انشغال كل فرد بشأنه الخاص وعالمه الافتراضي الخاص به، فرب الأسرة منشغل بتدبير أمور الحياة والسعي نحو توفير مستوى أفضل من الحياة لأفراد الأسرة.

أما الأم فهي منشغلة إما بعملها وإما بأمور مجتمعية أخرى، وأما الأولاد فكل يعيش في عالمه الافتراضي الخاص به وحتى عندما يلتقون وقت الوجبات فهي لقاءات تنقصها الحميمية والاهتمام الأسرى.

أما على الصعيد الاجتماعي فيؤثر استخدام التقنيات على نشوء علاقة اجتماعية خالية من الدفء والتفاعل المباشر والحميمية بين البشر. فتتحول العلاقات التقليدية بين أفراد المجتمع الصغير من علاقات مباشرة قائمة على التواصل الفعلي إلى علاقات سطحية مبنية على التواصل التقني.

فمثلاً احتلت الرسائل النصية محل اللقاءات المباشرة سواء للتهنئة أو حتى للتعزية أو للتواصل بين أفراد الأسرة الواحدة أحياناً، كما احتلت وسائل التواصل الاجتماعي مكانة كبيرة في التخاطب الاجتماعي بين الناس وفي التواصل بينهم الأمر الذي أوجد نوعاً من البرود الاجتماعي أثر في متانة العلاقات الاجتماعية وفي اندثار عادات جميلة كانت في السابق مصدر فخرنا لأنها ركن مهم في ثقافتنا وتراثنا الاجتماعي.

التكنولوجيا وتطور استخداماتها هي سمة العصر الذي أصبحنا نعيش فيه ولابد لتلك التكنولوجيا أن تؤثر إيجاباً وسلباً على حياتنا.

فمما لا شك فيه أننا أصبحنا لا نستطيع الاستغناء عن تلك التكنولوجيا ولذا فاستخداماتها في تزايد. ولكن في الوقت نفسه لا يجب ترك الحبل على الغارب ودون أي رقابة لأن الاستخدامات السيئة لها سوف تؤدى إلى إيجاد مجتمع بعيد كل البعد عن مجتمعنا الذي نعيش فيه.

 إن دور علماء الاجتماع والمتخصصين الإشارة إلى مواضع الخلل، ودور المنشغلين بأمر المجتمع البحث عن حلول للظواهر المقلقة التي تهدد العلاقات الاجتماعية وتؤثر عليها. فمتانة العلاقات الاجتماعية بين البشر القاطنين في مجتمع واحد قضية مهمة لأمن المجتمع وسلامته.