واقع العالم العربي مخجل. وما يحصد الآن هو ما تم زرعه في الماضي. انقسامات سياسية وتفكك دول وتهديد بسقوط مفهوم الدولة. ولم تعد هناك فوضى خلاقة، بل فوضى مدمرة. ويبرز الصراع الطائفي في أسوأ صوره، حيث أصبح يُوظّف سياسياً وبشكل مدمر لمستقبل أجيال كاملة. فالخلافات السياسية مداها الزمني محدود بوجود أسباب مرتبطة بحكومات. في حين ترسيخ الخلاف الطائفي وحقنه في فكر الناس، يفتحان الباب لمرحلة طويلة من الحروب والمشاحنات لأنها ترتبط بالدين. ويظل الصراع الطائفي والتشدد الديني المعوق الرئيس للتنمية والتقدم في أي مجتمع.
العالم العربي الذي كان البعض فيه يراهن على ما يسمى الربيع العربي، كشف عن أوضاع سيئة ونظم تعليمية فاشلة وهياكل حكومية فارغة وكأن السنين التي مضت كانت خارج التاريخ. أي مستقبل ينتظره هذا العالم الذي ما زال يعيش على أطروحات الماضي ويناقش قضايا الغد بأفكار الأمس.
الزمن يركض والعالم يجري من حولنا والتحالفات الضخمة تتشكل. فنحن أمام عالم جديد وجغرافيا سياسية جديدة. وخريطة للعالم عبارة عن تكتلات اقتصادية ضخمة على حساب الدول الفردية. فنحن ننظر إلى الوحدة الأوروبية كمثال، وننسى أن هناك تحالفات اقتصادية لأسواق ضخمة تربط بينها مصالح وستجعل من خارج اللعبة على الهامش. فهناك مفاوضات الآن لتحالف اقتصادي بين دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يهدف إلى تحرير التجارة ويهدف إلى إقامة أكبر منطقة تجارة حرة في العالم تضم أكثر من ٨٠٠ مليون شخص.
هي الشعوب الناضجة تنظر لمصالحها بمعيار الواقعية والمنفعة المشتركة. فها هي الدول السريعة النمو شكّلت تجمعاً لها ويتوقع أن تحتل مكاناً مهماً في قيادة العالم، وهي دول (بريكس) وهو مختصر للأحرف الأولى لأسماء الدول الأسرع نمواً في العالم: البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا ومجموع سكان هذه الدول يُشكّل ٤٠ في المئة من سكان العالم. ويتوقع أنه بحلول ٢٠٥٠ أن تكون اقتصادات هذه الدول من أكبر الاقتصادات في العالم.
كل هذه التكتلات العالمية وغيرها، تحقق مصالح اقتصادية وسياسية لأعضائها. ورغم أن هذه الدول منفردة ضخمة اقتصادياً وسياسياً، ولكن البراغماتية السياسية التي تغلب مصلحة المجموع على مصلحة الفرد. بل وأن حتى هذه الدول تتنازل في قضايا سيادية، بسبب معرفتها أن التحالفات تُمهّد الطريق لتوسع اقتصادي وفرص عمل جديدة وتحد من الأساليب الحمائية للدول التي تُكبّل الاقتصاد.
وفي الجانب الآخر نرى الجامعة العربية وهي أقدم في عمرها التأسيسي من هذه المنظمات لكن الواقع يقول إن العرب لم يترجموا قراراتهم إلى واقع، بينما مقرراتهم تشمل مشاريع كبيرة مثل السوق العربية المشتركة والاتحاد الجمركي وغيرها ولكنها ظلت حبراً على ورق.
وهذا يعكس جانب من الفشل التنظيمي في المؤسسات العربية بشكل عام. وكثير من هذه التنظيمات يقوم على فعل عاطفي وانفعالي أكثر من كونه استراتيجياً مدروساً مثل مشروع الاتحاد المغاربي الذي أصبح من الماضي.
والمشروع المشبوه مجلس التعاون العربي الذي كان يضم العراق والأردن واليمن الشمالي ومصر. وهذا التنظيم بالذات يعكس طريقة الفكر السياسي السائدة في ذلك الوقت. قرارات ضخمة ومصيرية تتخذ في جلسة، وكأن الشعوب مجرد أرقام.
من يتابع أخبار العالم العربي من تفجيرات وحروب وأزمات يكتشف أن الطريق مازال طويلاً. وأن مسحة التفاؤل التي مرت على العالم بسقوط أنظمة ديكتاتورية سوف يفتح لعالم عربي جديد، كانت أحلاماً مبالغاً فيها. الديمقراطية ليست فقط صندوق انتخاب، بل هي ثقافة واحترام للقيم وترسيخ لمفهوم حقوق الإنسان.
الغريب أن هناك دولاً كانت متأخرة عن العالم العربي. وكانت تعاني من حروب داخلية وصراعات وفساد استطاعت أن تعيد ترتيب بيتها من الداخل وأصبحت تنافس في الساحة العالمية. إذ يتوقع بروز في هذا العام لدول (منت) وهو مصطلح جديد اختصاراً للحروف الأولي للمكسيك وإندونيسيا ونيجيريا وتركيا. فهذه الدول لديها عدد سكاني يتجاوز ٦٠٠ مليون نسمة. وحققت معدلات نمو اقتصادي كبيرة، فمثلاً الدخل الفردي للمواطن التركي تضاعف ثلاث مرات منذ عام ٢٠٠٠. ويتوقع أن تكون هذه الدول الرهان الرابح من بين اقتصادات العالم هذا العام.

العالم من حولنا يتحرك. ونحن ما زلنا في نفس الدائرة ونفس القضايا، بل ونفس المصطلحات. معدلات النمو بالسالب، والجمود هو السائد. وينتهي المواطن العربي إما بين ركض مضن ٍبحثاً عما يسد قوته وعياله، وإما أن ينتهي به المطاف مغامراً بحياته في أحد القوارب بحثاً عن وطن يأويه. ما أصعب أن يكون طموح الشاب العربي «فيزة دخول» تمنحه الأمل أن يعيش حياة كريمة. إشكالية العالم العربي ليست في الموارد ولا في العدد السكاني. بل القضية هي في تقديم مصالح الشعوب على مصالح الأنظمة، والإرادة السياسية لعمل التغيير.
الشعوب التي وضعت التعليم أولوية واستثمرت في بناء أجيال متعلمة ومنفتحة، تعتمد على النقاش والفهم واحترام الاختلاف حصدت معدلات تنمية كبيرة. الشعوب التي قدمت على الاقتصاد على السياسية ووظفت السياسة من أجل خدمة الاقتصاد هي التي تتبوأ المشهد الآن. نعم. الخيارات متاحة، لكن الإنسان يتحمل مسؤولية القرار.