ضجة كبيرة أثارها اختيار الرئيس الأميركي أوباما لمن يتولى منصب مساعد وزير العدل للحقوق المدنية. فما أن اختار أوباما المحامى ديبو أديجبيل، لتولي ذلك المنصب، حتى شن اليمين حملة شرسة تهدف لإجبار أوباما على سحب ترشيحه ووضع ضغوط على مجلس الشيوخ ليرفض التصديق على ذلك الترشيح. والواضح أن تلك الحملة تتعلق بالمهام التي توكل لصاحب ذلك المنصب. ففي حال موافقة مجلس الشيوخ على تعيين أديجبيل، سيكون الرجل هو المسؤول عن فحص قوانين الولايات من زاوية تناقضها من عدمه مع الحقوق المدنية. ويأتي في المقدمة لدى اليمين قضية الحق في التصويت. فمنذ تولي أوباما الرئاسة في عام 2009، تبنى اليمين حملة تهدف لحرمان القطاعات التي حققت لأوباما الفوز من التصويت عبر قوانين تصدر فى الولايات. ومع نهاية 2011، كانت حوالى ثمان وثلاثين ولاية أمريكية قد ناقشت مشروعات قوانين شعارها المعلن هو منع تزوير الانتخابات وهدفها الحقيقي حرمان ملايين الأميركيين وأغلبهم من الأقليات عبر اختراع معايير لا يستطيع أبناء الأقليات خصوصاً الفقراء منهم على الوفاء بها. وهي معايير تعيد للأذهان خبرة ما بعد إلغاء العبودية حين اخترعت ولايات الجنوب آليات متعددة للتحايل على حصول السود على حقهم في التصويت. وقد تم بالفعل إصدار بعض تلك القوانين في عشر ولايات على الأقل.

لكن الحملة التي شنها اليمين ضد أديجبيل فتحت عليه النيران عبر اتهامه "بالراديكالية" لأنه دافع يوماً عن موميا أبو جمال. وكان في مقدمة الحملة ضد أديجبيل واحد من اتحادات البوليس الذي أرسل خطاباً مفتوحاً لأوباما يدعوه للتراجع عن ترشيحه لأنه دافع عن "من قتل ضابط شرطة". اللافت في أمر الحملة الضارية ضد أديجبيل أنها حملة اتهمته ببساطة بأنه كان محامياً! وهي مسألة تكشف عن اختلال ميزان العدالة إلى الحد الذي يعاقب فيه المحامي على دفاعه عن متهم ما، في بلد ينص دستوره على براءة المتهم حتى تثبت إدانته وعلى إلزام الحكومة بأن يكون لكل متهم محامٍ يدافع عنه!

وأديجبيل، ذو الأصول الإفريقية، عمل لسنوات محامياً لدى "الاتحاد العام للنهوض بالشعوب الملونة". وهي واحدة من أقدم منظمات السود في أميركا وأكثرها احتراماً. وقد لعبت دوراً تاريخياً لأنها المنظمة الوحيدة التي تبنت اللجوء للقضاء، حيث اختارت المنهج القانوني لإنهاء الفصل العنصري والتمييز. ومن خلال عمله بالقسم القانوني للمنظمة، تولى أديجبيل الدفاع عن موميا أبو جمال بالفعل بتكليف من المنظمة.

والحقيقة أن موميا أبو جمال من أكثر الشخصيات جدلية في أميركا. فرغم أن الداعمين له والمدافعين عنه يشملون شخصيات معروفة، من نعوم تشومسكي وهوارد زين إلى مايكل مور، إلا أن هناك من يعتبرونه قاتلاً. وموميا أبو جمال صحافي أميركي راديكالي من أصول إفريقية، كان في شبابه صاحب أحد البرامج الإذاعية الشهيرة. وهو كان عضواً فاعلاً في حزب النمر الأسود حتى انهياره في السبعينات. بعدها اختار موميا الكفاح من أجل القضايا التي تهمه عبر الصحافة والإذاعة. لكن موميا اتهم في عام 1981 بقتل ضابط شرطة في ملابسات حولها أقاويل كثيرة، وحكم عليه في العام التالي بالإعدام بعد محاكمة اعتبرتها منظمة العفو الدولية قد "افتقدت المعايير الدولية للإجراءات الواجب اتباعها من أجل محاكمة عادلة". واعتبر الكثيرون أن المحاكمة انطوت على "انحياز قضائي وتلاعب بالأدلة وانتهاكات قانونية من جانب النيابة". وقد تشكلت لجان للدفاع عنه تبنتها منظمات كثيرة منها منظمة العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش والاتحاد العام للنهوض بالشعوب الملونة. وتكونت حركة أطلقت على نفسها اسم "الحرية لموميا" انضم لها الكثيرون حول العالم. وقامت المدينة بعد الأخرى حول العالم، تتقدمها باريس بالمناسبة، بإطلاق اسم موميا على أحد شوارعها. بل إن مدينة باريس منحت موميا أبو جمال "مواطنة شرفية" للمدينة، وهو لقب كان آخر من حصل عليه هو بابلو بيكاسو في عام 1971. ومن السجن كتب موميا كثيراً وصارت كتاباته ملهمة للنشطاء، فتم منع الزيارة عنه لئلا تتسرب المزيد من كتاباته. ومع الوقت، صار رمزاً لعدم عدالة النظام الجنائي القضائي في أميركا بالنسبة للسود تحديداً.

وقد نجحت حملة المدافعين عن موميا في الضغط لتأجيل تنفيذ حكم الإعدام مرتين. وظل موميا في السجن لمدة ثلاثين عاماً كاملة إلى أن تم إسقاط حكم الإعدام وصار اليوم يواجه السجن مدى الحياة، بعد أن ثبت أن القاضي في عام 1981 قام "بتضليل المحلفين" وقت المحاكمة.

لكن الكثيرين ممن يدعمون موميا أبو جمال يدافعون عنه باعتباره أحد سجناء الرأي، يعاقب، لا من أجل جرم ارتكبه بالفعل، وإنما من أجل أفكاره الراديكالية وبسبب انتمائه لحزب النمر الأسود في فترة سابقة من حياته. وأن قصة اتهامه في قضية قتل الضابط كانت جزءاً من الحملة التي شنتها أجهزة الأمن الأميركية في الستينات من أجل القضاء على حزب النمر الأسود وتشويه رموزه وافتضح أمرها بعد سنوات من انهيار الحزب. ولحزب النمر الأسود قصة تستحق أن يفرد لها مقال مستقل في المستقبل بإذن الله.