مهما تعرض الشعب الفلسطيني لانتكاسات وإحباطات، فإن مسار حركته الكفاحية يبقى بخير، من حيث المسار والمصير، ما بقي العكوف على ثابتين جوهريين: يتعلق أولهما بإعاقة السبل أمام تدفق هجرة اليهود إلى فلسطين التاريخية واستيطانهم فيها، والعمل بكل الوسائل على كسر مقولة إن إسرائيل تشكل الملاذ الآمن لكل يهودي تستهويه فكرة الانتقال إليها طمعاً في حياة هانئة.

أما الثابت الثاني فهو الاستبسال في تعزيز تجذر الفلسطينيين وانتشارهم في وطنهم الأم.

نطرح هذه القناعة وفي الخاطر أن المشروع الصهيوني يتصل بقاعدتي استجلاب البشر واستيطان الأرض. وأنه لا شيء يساهم في تقويض هاتين القاعدتين المتعامدتين على بعضهما، مثل صفعهما بحقيقة أن فلسطين ليست فضاءً خاوياً، بل هي غنية بناسها المؤطرين في مجتمع منظم؛ لا يمكن استئصاله منها.

كل ما عدا تهجير اليهود إلى فلسطين، مع استبعاد أو إبعاد سكانها الأصليين، يبقى مجرد تفصيلات. وعليه، فإن كل ما يعاكس هذه القاعدة يغذي مراسم إفشال هذا المشروع ويساهم في تقويضه.

ونقطة البداية في هذه المعاكسة تقع عند تبلور نزعة عزوف يهود الخارج عن الهجرة من مواطنهم باتجاه إسرائيل من ناحية، وفقدان مستوطنيها لشهية البقاء فيها من ناحية أخرى.

ومن بين ما يمهد لوقوع أحد هذين المحذورين أو كليهما، وجود الحقائق الوطنية الفلسطينية وانتشارها في المكان، إلى الدرجة التي يصعب فيها على المهاجرين اليهود العثور على مساحة فائضة يستخلصونها لأنفسهم.

نحن على يقين أن فقهاء الصهيونية، داخل إسرائيل وخارجها ينطلقون من هذه التعميمات، ولابد أنهم ينزعجون عندما يلحظون أي مؤشرات لانصراف يهود العالم عن خطابهم أو إقبال يهود إسرائيل على الهجرة المضادة.

وأخيراً، أعرب بعضهم عن المرارة من شيوع الاعتقاد بأن نصف يهود إسرائيل تراودهم فكرة مغادرتها نهائياً، بحسبه أحد أبرز الأخطار الاستراتيجية التي تواجهها دولتهم.

الإسرائيليين باتوا يتأففون من ضغوط الحياة اليومية وضيق الفرص الاقتصادية، كالغلاء وارتفاع أسعار السكن والمواصلات وتدني الأجور. وإنهم يقيسون هذا الواقع المقبض بما ينتظرهم من آفاق أكثر رغداً إذا ما غادروا إلى أوروبا وكندا والولايات المتحدة.

ويعرف المتابعون وأهل الذكر من الإسرائيليين أن انخفاض معدل الإحساس بالأمن هو في طليعة عوامل تفضيل الهجرة المضادة من دولتهم، لكنهم لا يجهرون كثيراً بذلك، من باب الحفاظ على المعنويات والأسرار العليا.

رب قائل إن هذه الوضعية تثلج صدر حركة النضال الفلسطيني، كونها تعجل بتحقيق، ما وصفناه بأحد ثوابت الاطمئنان على مسارها. فالهجرة المضادة تعني إضعاف المحتوى السكاني لكيان استيطاني. هذا صحيح.

بيد أنه من الصحيح أيضاً، وغير المناسب بالمرة للمصير الفلسطيني، نمو نزعة قوية لدى الشباب الفلسطيني، داخل الأرض المحتلة بعامة وقطاع غزة بخاصة، نحو الهجرة إلى الغرب!

المصادر الإحصائية الفلسطينية تتحدث عن تحول حلم الهجرة إلى هاجس يطال عشرات الآلاف. والمفارقة أن المبررات التي تتداولها هذه الشريحة لا تبتعد كثيراً عن الهموم الاقتصادية الممسكة برقاب دائرة اليهود المشتاقين لمغادرة إسرائيل.

وقوف الشباب الفلسطيني بأبواب السفارات والقنصليات الأوروبية، طمعاً في التجاوب مع طلباتهم للهجرة أمر لافت بحق. ومكمن الخطورة هنا هو في مخالفة هذه الظاهرة للثابت الفلسطيني على عدم إفراغ فلسطين من أهم حقائقها الوطنية.

إلى ذلك، ثمة فارق كبير بين هجرة مضادة لليهود، لا تعني سوى العودة للأوطان الأم، وبين هجرة فلسطينية تنطوى على اغتراب حقيقي.

فالتداعيات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والنفسية والسياسية، المتأتية عن إفلات بعض المستوطنين اليهود من براثن المشروع الصهيوني، أقل وطأة وتأثيراً على المفلتين، قياساً بالانعكاسات المحتملة على المهاجرين الفلسطينيين.

الشاهد أن من تعنيهم صحة مسار حركة التحرر الفلسطيني، عليهم تثبيت أقدام الفلسطينيين في الوطن ولا بأس في أن يكون الانشغال بهذه المهمة على رأس جدول أعمالهم.