خرائط جديدة ترسم الآن.. المنطقة مقبلة على حكايات لا تنسى. لنبحث عن أسماء جديدة وعناوين جديدة، فالأماكن لن تبقى مكانها، والحدود ستزيد، وكذلك جوازات السفر. فلتحزم أيها الإنسان العربي حقائبك، وتضع أطفالك تحت إبطك وانتظر قدرك، قدرك الذي يقرره لك الآن من هم أقوى منك.. وكلهم أقوى منك؛ إسرائيل، تركيا، إيران، أميركا القوة العظمى التي خذلتك واستنزفتك وفضلت عليك أعداءك، قايضتهم عليك بعد أن استغلتك وامتصت دمك ونفطك وماء عينيك.
غداً، وإن غداً للضعيف قريب، لن يسألوك في مطاراتهم: هل أنت عربي؟ سيعرفونك من ضاد لغتك، من القيود في يدك، ومن سحنتك التي تغيرت، ولسانك الذي اعوج وارتج، وهو يحاول النطق بلغتهم التي تعلمتها، حين فقدت لغتك في معارك الأشقاء الأعداء والثورات المبتذلة.
العصر ليس عصر العرب والقمم، بل عصر القاعدة التي تربت في غابات الاستخبارات الغربية، وكانت أولى غزواتها في أبراج نيويورك بدعوى "ضرب العدو في عقر داره"، فيما الدار القريبة احتلت واغتصبت، وتبدل اسمها وأقيمت فيها المستوطنات والجدار العنصري، وانتهكت مقدساتها، فلم نسمع عن عملية للقاعدة، ولا حتى عن نية لتحرير فلسطين. كان يقال لهم هذه القدس على مرمى رصاصة، وفلسطين في بؤبؤ العين، فيقولون: أفغانستان أولى بالجهاد، وتورا بورا هي العين!
ها هم الآن يؤدون دورهم في سوريا، ويكملون دورهم في العراق، ويتهيؤون لدورهم في مصر، وبعدها في دول أخرى.. إنهم أدوات الفتنة في المخطط الصهيوني الذي بدأ بالعراق، ثم بما سمي الربيع العربي، وهو في حقيقته التفتيت العربي.
ما حدث في محافظة الأنبار العراقية من فض لاعتصام عشائر السنة من قبل الجيش العراقي والحكومة، سرعان ما تحول إلى صراع بين تنظيم القاعدة ودولة الإسلام في العراق والشام (داعش) من جهة، وبين العشائر السنية التي كان بعضها يشكّل حاضنة لهذه التنظيمات المتطرفة، من جهة أخرى.
يعلن المالكي، كما أعلن الأسد من قبله، أنه يحارب القاعدة والتنظيمات الإرهابية المدعومة من الخارج. وفي هذا بعض الحقيقة، إلا أن الوضع معقد أكثر من ذلك. فالسنة اليوم يشعرون بالحصار والتمييز والاستهداف والإقصاء، في كل من العراق وسوريا ولبنان، وهذا وفر حاضنة لحركات "جهادية" متطرفة، أعلنت الحرب على عدو مشترك هو إيران.
في العراق تتماهى أهداف "داعش" والقاعدة مع أهداف بعض القوى المحركة لثورة الغضب في الأنبار، من دون حرص شديد على تمييز الأجندات وتظهير تمايزها.. ولهذا استطاع المالكي أن يجد ما يغذي به ادعاءه بأنه يحارب القاعدة في المحافظات السنيّة، مع أن المالكي يعبّر عن أضيق المصالح الشخصية (ولاية ثالثة) والفئوية المذهبية، ودليل ذلك أن "داعش" نجحت في غضون ساعات قلائل، في السيطرة على الفلوجة والرمادي، ما إن أدار الجيش العراقي ظهره لهما، وهذه السيطرة السريعة على المدينتين، ما كانت ممكنة لولا اندماج هذه القوى المتطرفة في بنية وبيئة الحراك السياسي السني الذي تكشّف لدى قادة له، تماثل غريب مع منطق القاعدة وتفكيرها.
المنطقة الآن تحت مقصلة القاعدة، حيث تشابكت ساحات الاشتباكات من حلب إلى درعا إلى لبنان إلى الفلوجة والأنبار، وهي مرشحة للتمدد إلى الأردن، لتصبح ما كان يطلق عليه "دول الطوق" المحيط بالكيان الإسرائيلي، تحت رحمة القاعدة و تفرعاتها، ليعم الظلام العرب، وتكون إسرائيل منارة الشرق الجديد.
لقد بدأت بالفعل تتشكل نواة الدويلات العربية الجديدة داخل دول "سايكس ـ بيكو"، وإذا ما استمر فراغ السلطة والاحتراب الداخلي، فإن في الطريق دولة للأكراد في شمالي سوريا تتحد مع دولة أكراد العراق، ودولة علوية عاصمتها اللاذقية، ودولة سنية في جنوبي وشرقي سوريا، تلتحم مع دولة السنة في الأنبار. أما في مصر، فإن الدولة القبطية في الدرج منذ سنوات، ودولة النوبة تتململ.. أما بقية الدول العربية فحرج أن تتحدث!
الدول العربية تنزلق أكثر إلى هاوية الزوال، إذ إن معظمها يتفكك ويتحلل كجثث طال موتها، وتركت في عراء الضعف. إنها مرحلة اللادول، لتتسيد إسرائيل المنطقة بلا منازع، ويبقى العرب بيزنطيو العصر الحديث، يتجادلون أيهما أولاً؛ البيضة أم الدجاجة.. أيهما أكثر عداءً؛ إيران أم إسرائيل!!