إنه الإرهاب إذن، هذا الذي نراه يضرب المنطقة العربية، ناقلاً المعركة من جبال "تورا بورا" في أفغانستان، إلى الأرض التي خرج منها الإرهابيون المتهمون بكل التفجيرات والعمليات الكبرى التي شهدها العالم خلال العقدين الأخيرين، وما شابهها من عمليات كانت أصابع الاتهام تتجه بعدها مباشرة إلى جهة واحدة نعرفها جميعاً.
الإرهاب الذي نتحدث عنه ليس إرهاب أفراد ولا جماعات صغيرة، مثل تلك التي شاهدناها في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، تكتفي بخطف وزير أو تسيطر على مبنى، ثم تطلب فدية مالية، أو تطالب بالإفراج عن بعض المسجونين، إذا ما استثنينا منها حادثة الحرم المكي التي قام بها جهيمان العتيبي وجماعته عام 1979، وانتهت بالقضاء عليهم بعد أسبوعين احتلوا خلالهما الحرم الشريف وروعوا الأمة الإسلامية كلها..
وإنما هو إرهاب منظم، يطلق أصحابه على أنفسهم أسماء دول، مثل "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، ويأخذ أشكالاً مسلحة، مثل تلك السيارات التي جابت الأسبوع الماضي أحياء مدينتي "الرمادي" و"الفلوجة" في محافظة "الأنبار" العراقية، تحمل على متنها رجالاً مدججين بالسلاح، يرتدي بعضهم الزي الأفغاني، وهم يرفعون أعلاماً خاصة بالدولة المزعومة، ويبثون أناشيد تشيد بدولتهم "المنصورة الباقية" كما يزعمون.
هذه الوجوه التي اعتدنا رؤيتها تختفي خلف أقنعتها في الجبال الأفغانية، بعد القضاء على دولتها في أعقاب أحداث "الحادي عشر من سبتمبر" الشهيرة، هي نفسها التي تظهر اليوم في بعض المناطق السورية، تخطف وتعذب وتقتل، إما بذريعة تطبيق الشريعة الإسلامية، أو بحجة الانتماء إلى مجموعات مسلحة أخرى تناصبها العداء، حتى أن الأطفال لم يسلموا من طغيانها، فتعرضوا للجلد والحبس مع بالغين في ظروف قاسية وغير إنسانية، مثلهم مثل سائر كل من لم يعترف أو ينضم إلى "داعش"، التي تعيد إلى الأذهان حروب "داحس والغبراء".
والإرهاب الذي نتحدث عنه لم يعد مجرد حوادث متباعدة تقع بين فترة وأخرى في مصر الصامدة المحروسة، رغم كل محاولات نقل المعركة إليها، بل غدا عملاً منظماً يحدث بشكل يومي، ويتخذ أشكالاً عدة، تبدأ من تنظيم المظاهرات لتعطيل حركة السير والمرور، وإيقاف الدراسة في المدارس والجامعات، وإحراق المرافق العامة.
ولا تنتهي بتفخيخ السيارات وتفجيرها في الأماكن العامة، وزرع العبوات الناسفة في وسائل المواصلات، بل تمتد إلى مهاجمة مراكز الأمن وقتل ضباط الشرطة والتمثيل بجثثهم، ونشر صورهم على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، واقتراف كل هذه الجرائم بدم بارد، تحت راية الدفاع عن الشرعية والشريعة التي هي منهم بريئة.
هذا الإرهاب نفسه يحاول تحويل سيناء إلى مرتع للجماعات المهاجرة من أفغانستان، بعد أن فشلت في استعادة سيطرتها عليها، لتنتقل إلى ما هو أهم من أفغانستان، حيث خطط قادة القاعدة لحكم العالم، عبر تفجير برجي مركز التجارة العالمي في مانهاتن، بعد أن اكتشف أولئك القادة أن المسألة أكبر من اختطاف أربع طائرات وتفجير برجين.
تماماً مثلما سوف يكتشف الإرهابيون المهاجرون أن المسألة أكبر من خطف جنود عائدين إلى أهلهم، أو مهاجمة نقطة تفتيش في الصحراء، أو سيارة عسكرية تقوم بدورية اعتيادية في ظروف غير عادية، في بلد يرفض كل أشكال التطرف والاستحواذ، ويميل أهله إلى الاعتدال والوسطية.
الإرهاب الذي نتحدث عنه يسعى لتحويل ليبيا إلى قاعدة لتصدير العنف إلى دول الجوار، في ظل حالة عدم الاستقرار التي تعيشها البلاد، وعدم إحكام الدولة سيطرتها على مفاصل الأمور، مع استحواذ الجماعات الإسلامية المسلحة على السلطة هناك، واستقواء الجماعات المشابهة لها في الدول المجاورة بها.
وسعيها إلى اتخاذ ليبيا قاعدة جديدة للجهاد، تنطلق منها لتنفيذ عملياتها، إلى جانب التناحر القبلي الذي يهدد البلاد بتقسيمها إلى دويلات صغيرة، في عملية "عرقنة" جديدة في الشمال الإفريقي الذي انطلقت منه شرارة "الربيع العربي" الذي أصبح جحيماً.
الإرهاب الذي نتحدث عنه لا يفرق بين مدنيين وعسكريين وأبرياء ومتهمين، إلى الدرجة التي لا يتورع معها الإرهابيون عن اقتحام مستشفى، واستهداف كل من يقابلهم فيه، تماماً مثلما حدث يوم الخامس من ديسمبر الماضي، عندما اقتحم مسلحون من "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب"، مستشفى "العرضي" الذي يقع داخل مجمع وزارة الدفاع اليمنية في صنعاء، متنكرين بملابس عسكرية.
وأخذوا يطلقون النار في كل اتجاه، غير مفرّقين بين أحد من الموجودين، مرتكبين مجزرة راح ضحيتها 56 قتيلاً و215 جريحاً، بينهم أطباء وممرضون ومرضى وزائرون، ليعلن التنظيم بعدها أنه وجه ضربة قاسية لوزارة الدفاع اليمنية، ثم يعود أحد قادته ليقول بعد حوالي أسبوعين من المجزرة: "نتقدم باعتذارنا وتعازينا.. لقد أخطأنا"! كأن الخطأ في الإرهاب مبرر، والاعتذار مقبول.
هذه نماذج من علامات الحقبة الإرهابية التي نعيشها، لا تمثل سوى ما يطفو على السطح من المخطط الذي ينفذ بدقة، على الأرض المتهَمة بأنها منبع الإرهاب الذي طاف أرجاء العالم كلها، ثم عاد ليستقر في أرضه، بفعل فاعل، أو بالصدفة التي لا محل لها في عالم السياسة، كما يقول أصحابها والضالعون في معرفة خباياها.
ويبقى السؤال الأهم: هل يعرف الإرهابيون أنهم أصبحوا أداة في يد من تصوروا ذات يوم أنهم سوف يطهرون العالم منهم؟ أم أنهم منشغلون بتدمير الأوطان التي كانت ذات يوم أوطانهم لتحقيق أحلامهم؟ هذا ما سوف يعرفونه، ولكن بعد انقضاء الحقبة الإرهابية التي لا نعلم تحديداً متى ستنقضي، لكننا نعرف جيداً على من ستقضي.