حوكمة التأمين الصحي

في نوفمبر الماضي تم اعتماد قانون الضمان الصحي لإمارة دبي، وصرحت هيئة الصحة بأن التطبيق الفعلي للقانون سيكون في مطلع العام المقبل ومدة ثلاث سنوات، ومن ثم سيكون بعدها التأمين الصحي إلزامياً لجميع شرائح المجتمع. ويعتبر القانون من أهم اللبنات الأساسية اللازمة لوضع منظومة تأمين صحي تتوافق مع أفضل الممارسات العالمية وتتميز بالشفافية والوضوح...

وتتناسب مع ما تبوأته الإمارة من مراكز متقدمة في التنافسية وجودة الحياة. وبشكل عام، فإن التأمين الصحي هو من أهم وأكثر أنواع التأمين تعقيداً وارتباطاً بأفراد المجتمع ومؤسساته، وذلك لما له من تأثير مباشر في استقرار الفرد وشعوره بالأمان، كما يؤدي التأمين الصحي دوراً كبيراً في زيادة الاستثمارات في القطاع الصحي، ما يسهم في دعم التنمية الاقتصادية المستدامة في الإمارة، وزيادة تنافسيتها إقليمياً وعالمياً.

وسيصل عدد المستفيدين من التأمين الصحي في الإمارة إلى أكثر من 3 ملايين مستفيد، ما يجعل المنظومة التأمينية أكثر تشابكاً لوجود مصالح ورغبات مختلفة، ما يحتم وجود هيئة رقابية محايدة تعنى بتنظيم هذه العلاقات، وتعمل على مراقبة احترام الجميع للقواعد، والتأكد من عدم تغول طرف على الآخر، وإبقاء التوازن المطلوب الذي تقتضيه المصلحة العامة. ونظراً إلى أهمية تنظيم هذا القطاع، وإعمالاً للأدوات الرقابية اللازمة...

فقد أنشأت هيئة الصحة في دبي مطلع هذا العام نظاماً إلكترونياً موحداً للمطالبات التأمينية (E-Claim) التي تدل الإحصاءات والأرقام إلى أن قيمة المطالبات والموافقات التي تمت عن طريقه بلغت ما يقارب ملياري درهم خلال هذا العام. ونظام المطالبات الإلكترونية يُلزم جميع الجهات المقدمة بتقديم جميع مطالباتها والموافقات اللازمة للعلاج إلكترونياً عبر نظام إلكتروني موحد تحت إشراف الهيئة، وسيضمن النظام سرعة حصول مقدمي الخدمه الطبية على الموافقات اللازمة لعلاج المرضى، وسيساعد على تحقيق العدالة وعدم تعسف أحد الأطراف، سواء المستفيد "المريض" أو الجهة المقدمة للرعاية الصحية أو شركة التأمين.

إضافة إلى ما تقدم، فإن نظام المطالبات الإلكترونية، في حال تم استخدامه بالطريق الأمثل، سيساعد القائمين على وضع السياسة العامة لوضع الخطط والاستراتيجيات اللازمة للقطاع الصحي بحرفية، وبناءً على معلومات دقيقة، ولا ننسى أن هذه المعلومات يمكن الاستفادة منها من قبل المستثمرين وبيوت الخبرة لوضع خطط استثمارية مبنية على الحاجة الفعلية للسوق وللمرافق الطبية والمردود الاقتصادي لها.

وعلى الرغم من وضوح الاستراتيجية التي وضعها مجلس الوزراء والمجلس التنفيذي لإمارة دبي وتأكيد هذه الاستراتيجيات لضرورة إيجاد إطار حوكمي فعال للقطاع الصحي يتميز بالشفافية والوضوح، فإن هناك بعض الغموض في الأدوار والمسؤوليات المنوطة بكل جهة في الإمارة، وهذا ينافي الأهداف الحقيقية التي يريد المشرع تحقيقها من خلال وضع تشريع خاص بالضمان الصحي أو التأمين، فالتشريع ليس مجرد نصوص مجردة عن الأهداف والسياسات العامة لصانع القرار أو المشرع، ولكن التشريع وسيلة لتحقيق أهداف واستراتيجيات معينة يسعى واضع السياسة العامة لتحقيقها.

ومن الأمثلة على الغموض في تنظيم قطاع التأمين الصحي عدم وضوح العلاقات والأدوار والمسؤوليات المنوطة بكل جهة في هذه المنظومة، إذ نرى أن هيئة الصحة هي الجهة التي تضع السياسة العامة والاستراتيجيات اللازمة، وهي ذاتها الجهة الرقابية التي ستراقب قطاع التأمين الصحي، وهي كذلك أحد المنافسين في سوق الخدمات الصحية بما تملكه من مرافق صحية حكومية قوية تملك إمكانيات وميزانيات أكبر من المرافق الخاصة.

وللمزيد من الغموض، فالهيئة كذلك هي طرف مؤمّن يقوم بالتأمين على عدد كبير من موظفيها، وقد يُعهد لها بإدارة التأمين الحكومي للمواطنين المشمولين بالتأمين الصحي تبعاً للقانون، أي أن قاعدة الهرم ورأسه غير معروفة، وستكون الهيئة الخصم والحكم في الوقت ذاته، إذ تضع السياسة العامة وتشرف على تطبيقها، ومن ثم تنافس في سوق الخدمات الطبية، وأيضاً أحد المؤمنين الذين يحتاجون إلى حماية.

وبشكل عام، فإن أفضل الممارسات العالمية تتجه إلى فصل واضع السياسة العامة عن الهيئات الرقابية والتنظيمية والجهات المعنية بإدارة وامتلاك المرافق الطبية، ما يساعد على التقليل من تضارب المصالح، ويساعد على تحقيق مبدأ الشفافية والحوكمة الرشيدة.

ومن جهة أخرى يساعد الفصل التام في الأدوار والمسؤوليات على تبديد مخاوف المستثمرين من منافسة مرافق طبية حكومية ضخمة علاقتها غير واضحة مع الجهة الرقابية وواضع السياسة العامة للقطاع، وكذلك الفصل يبدد الخوف والريبة من تحيز الجهات الرقابية إلى المرافق التي تدار من قبل واضع السياسة العامة على حساب المرافق الطبية الخاصة وشركات التأمين.

كما أنه من الضروري إيجاد جهة اتحادية تقوم بالتنسيق والإشراف العام على توافق التشريعات الاتحادية والمحلية المتعلقة بالتأمين الصحي بين الإمارات للحيلولة دون خضوع المرافق الطبية وشركات التأمين للكثير من الالتزامات التي قد تستهلك الموارد والاستثمارات، وتجعل الخدمات الطبية والتأمين مكلفاً جداً، ويزيد التكاليف التأمينية على الأفراد وأرباب العمل، ويؤثر في تنافسية الإمارة والدولة بشكل عام.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات