ككل عام، بعث أوباما بتحياته لمن يحتفلون بعيد "الكوانزا". ورغم أنه ليس الرئيس الأميركي الوحيد الذي بعث بتلك التحيات، إلا أن تحيته تمثل مفارقة مهمة كأول رئيس أسود لأميركا. والكوانزا عيد يحتفل به بعض السود الأميركيين لمدة أسبوع من كل عام، يبدأ في السادس والعشرين من شهر ديسمبر ويمتد حتى الأول من يناير. وترجع أصول ذلك العيد إلى عام 1966، حين تم الاحتفال به لأول مرة. وهو عيد يحتفي بالتراث الإفريقي، ويمنح السود الفرصة للبحث عن الذات، والفخر بتاريخهم وتراثهم الإفريقي.

وكلمة "الكوانزا" تأتي من اللغة السواحيلية، وتعني "أول ثمرات موسم الحصاد". والاحتفالات تتم باللغة السواحيلية أو الإنجليزية. ورغم أن السواحيلية لغة شرق إفريقيا التي لم تكن طرفا في تجارة الرق عبر الأطلسي، إلا أنها ترمز للحضارة الإفريقية. ولعيد الكوانزا طقوسه ورموزه، التي تأتي في مقدمتها مبادئ سبعة.

فالمبدأ الأول هو الوحدة، أي وحدة الجماعة السوداء. والمبدأ الثاني هو تقرير المصير، أي التعرف على الذات واستيعاب أصولها، ومن هذا المنطلق يأتي مبدأ العمل الجماعي من أجل بناء الجماعة السوداء وحل مشكلاتها.

والمبدأ الرابع، قائم على الاقتصاد التعاوني الذي يهدف لخدمة كل أفرادها. أما المبادئ الثلاثة المتبقية، فهي الإبداع والرسالة والإيمان. فالإبداع مطلوب "لنترك المجتمع لمن يأتون بعدنا أفضل كثيرا منه حين آل إلينا"، والرسالة هي "بناء مجتمعاتنا واستيعاب تقاليدنا وحضارتنا واستعادة الفخر بها". أما الإيمان فهو "الإيمان بشعبنا وأسلافنا وعدالة كفاحنا وحتمية الانتصار".

واحتفالات الكوانزا تهيمن عليها ألوان الأسود والأحمر والأخضر، ومنها يتكون علم الكوانزا. فالأسود هو لون البشرة، والأحمر هو لون الدم الذي سال في الكفاح ضد العبودية والفصل العنصرى، بينما يرمز الأخضر للون الأرض الإفريقية. وفي الاحتفال هناك شموع سبع بالألوان الثلاثة، وترمز للمبادئ السبعة، تتم إضاءتها. والشمعة الوحيدة ذات اللون الأسود، هي التي تستخدم لإشعال الشموع الخضراء الثلاث والحمراء الثلاث.

وأصحاب فكرة ذلك العيد كانوا مجموعة صغيرة من السود على رأسهم أستاذ للدراسات الإفريقية، أطلق على نفسه اسم "مولانا كارينجا". فقد ولد كارينجا باسم رونالد إفيريت، ثم سمى نفسه لاحقا كارينجا، وتعني باللغة السواحيلية حامي التقاليد، وأضاف لها "مولانا" تعبيرا عن كونه معلما.

وجوهر المفارقة في تحية أوباما للمحتفين بذلك العيد، هو الجذور التاريخية لذلك العيد. ففي منتصف الستينات، كانت حركة الحقوق المدنية قد حققت تقدما تدريجيا، حيث قضت على الفصل العنصري الذي كان مقننا حتى ذلك التاريخ، وصدر قانونا الحقوق المدنية وحقوق التصويت. لكن تلك الإنجازات لم تقض على معاناة السود، إذ ظل التحيز والتمييز ضدهم قائما.

فشعر الكثيرون منهم، وبالذات من الشباب، بأن منهج حركة الحقوق المدنية ليس كافيا، وأن المساواة الحقيقية للسود في المجتمع الأميركي لن تتحقق إلا عبر تمكين السود من تقرير مصائرهم بأنفسهم.

ومن هنا، برز تعبير "القوة السوداء"، الذي صار عنوانا لحركة راديكالية ضمت عددا من المنظمات والجمعيات السوداء، منها حزب النمر الأسود وحركة أمة الإسلام واللجنة التنسيقية للطلاب السلميين.

وكان للأخيرة دور بالغ الأهمية في تسليط الضوء على تعبير "القوة السوداء". فالحركة قامت على الفخر العرقى والاعتزاز بالذات، واستحضار الحضارة الإفريقية باعتبارها التراث العظيم الذي يملكه سود أميركا. وكان جوهر انتقاد اللجنة التنسيقية لحركة الحقوق المدنية، هو أن الحركة كانت "تقيس أهدافها وإنجازاتها وفق معايير البيض"، ومن ثم طالبت اللجنة بتحرير السود اقتصاديا واجتماعيا.

وكانت حركة "القوة السوداء" هي أول من تبنى تعبير "السود"، بدلا من تعبير "الزنوج" للدلالة على أصحاب البشرة السوداء.

فقد كان تعبير "الزنوج" قد تم ابتذاله واخترع له العنصريون من البيض تنويعات فجة، كانت تستخدم لإهانة السود والحط من شأنهم. وقد تعرضت الحركة للكثير من التشويه، رغم أنها مثلت نقطة تحول بالنسبة لعلاقة السود بأنفسهم، بعد ميراث قبيح من العنصرية والتأكيد على دونية السود التي اخترعها من أصروا على "تفوق البيض".

وفي هذا الإطار نشأ عيد الكوانزا، الذي كان أحد تجليات مقاومة السود للثقافة البيضاء التي فرضت عليهم وحملت لهم احتقارا وعنصرية، عبر استحضار إفريقيا بثقافاتها الغنية وحضاراتها وتراثها.

وهو العيد الذي قال عنه كارينجا، إنه بمثابة بديل للسود عن أعياد الكريسماس كما يحتفل بها البيض. ومولانا كارسنجا صاحب فكرة العيد، كان في ذلك الوقت منخرطا في حركة "القوة السوداء"، وقال في كتاباته إن مالكولم إكس كان الأكثر تأثيرا على أفكاره، وظل يدعو إلى ما أسماه "العودة لإفريقيا روحيا وثقافيا، طالما أننا لا نملك العودة بأجسادنا"، واعتبر تلك العودة ذات تأثير بالغ الأهمية على فهم الذات لدى السود في أميركا.

والمفارقة هنا هي أن أوباما الذي حرص منذ توليه السلطة على أن ينأى بنفسه عن الجماعة السوداء، وخصوصا عن التيار الراديكالي داخلها، هو نفسه الذي حرص على أن يبعث بالتحية للمحتفلين بعيد الكوانزا، الذي ترجع أصوله لأكثر الحركات راديكالية في تاريخ أميركا الحديث، والتي تبنتها تنظيمات مختلفة من أهمها حزب "النمر الأسود" وجمعية "أمة الإسلام"، واللذان يستحقان تناولا مستقلا في مقالات قادمة بإذن الله.