ما الذي يقلق الكون إن أنت لم تنم، أو استيقظت مبكراً عن موعدك؟ في أي اتجاه تتحرك قدماك حين يختفي من أمامك الطريق؟ أيهما أقرب إليك؛ صديق جاهل أم عدو عاقل؟ ماذا تفعل لو أصبح الجميع عقلاء بلا صدق، أو أصدقاء بلا عقلانية؟
هل صحيح أن المرء على دين خليله؟ ما أصعب أن يكون الواحد منا، بل القائد منا، في صف أعداء أمته إرادياً أو لا إرادياً!
تساؤلات يبدو بعضها عبثياً، لكن من قال إن هذا ليس زمن العبث بشحمه ولحمه ومظاهره ودمه، الذي يسيل على رقعة شطرنج، الكل فيها خاسر ما عدا الذي صنع الرقعة، واخترع اللعبة؟!
سماها مايلز كوبلاند "لعبة الأمم"، أما وليم غاي كار، الضابط في سلاح البحريّة البريطاني، الذي عمل في وزارة الإعلام والاستخبارات والمكتب الإعلامي الصهيوني، فسماها "أحجار على رقعة الشطرنج"، وهو عنوان الكتاب، الذي أصدره في منتصف الخمسينيّات من القرن الماضي، لكشف أسباب تدهور الأمم وتطاحنها ودخولها في حروب وثورات.
فعندما بدأت الحرب العالمية الأولى، كان وليم كار قد انضم إلى البحرية الأميركية، وفـي الوقت الذي كان فيه يتدرج على سلم المراتب، كان يواصـل دراسـته لخطـوات المـؤامرة اليهودية الكبرى. قبل وفاته الغامضة أصدر كتابه "الشيطان أمير العالم"، و"ضباب أحمر فوق أميركا"، إضافة لكتابه هذا، الذي اعتبره المفكرون صوت النذير لعقلاء العالم، لكي يتحدوا في مـسيرة الخيـر، لدحر قوى الشر.
أنت الآن، أيها العربي، أياً كان جواز سفرك ومكان إقامتك من المحيط إلى الخليج، في الفصل الخطر من اللعبة، خطوتان أخريان وتموت ولا تنتهي اللعبة. اللعبة لا تموت، بل تتجدد، ربما في نفس المكان، ربما في أجيال قادمة، حتى يحقق أشرار الخليقة هدفهم، حسبما يخططون!
ما عليك سوى أن تنظر في المرآة، وما وراء المرآة، لتتحسس تفاصيلك، تفهم ما تقول عيونك، ولا تخف إن قالت لك "لا أعرفك"، فأنت ابتعدت كثيراً عن رسلك ودينك، وعن قادة أمتك، الذين هزموا المغول والتتار والفرس والروم. لم تعد تجيد معاركك، وجنحت للسلم مع من لا يعرف تاريخهم السلم. أنت لم تعد تذكر، كيف ساروا من جزيرة العرب، وخاضوا حروب البر والبحر، ووصلوا إلى سور الصين، ووسط أوروبا.
أنت الآن تقتل بعضك.. تقبل يد قاتلي أبيك وأخيك وابن عمك، ترجوهم ألا يقتلوك، لكن لا مفر فأنت قطعت صلتك بطارق بن زياد، الذي قال لجنده "البحر من أمامكم والعدو وراءكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر"، فكان له النصر وفتح الأندلس.. هي الأندلس نفسها، التي ضيَّعها من ابتعد عن إخوته وأمته!
ربما عدنا بالتاريخ بعيداً إلى الأندلس، لكن دولنا العربية هي الآن أندلسيات بصورة أو بأخرى. ما أشبهنا بعصر ملوك الطوائف! ما أشقانا! كم طائفة انقسمنا؟! كان الحلم العربي أن نصبح أمة واحدة فأضحينا أمماً.. صار شعار "الوحدة الوطنية" يرفع داخل الدولة الواحدة كونه مطلباً وطنياً، ما يعني اعترافاً ضمنياً بالفرقة بين أبناء الدولة الواحدة. الحدود قنابل موقوتة، حتى ظهرت حدود بين ولاية وولاية، ومحافظة وأخرى، ومن إقليم إلى إقليم.
إن القائمين على "لعبة الأمم"، ما زالوا ينفذون اللعبة بحذافيرها، وبأيد عربية، لعبة التفتيت من خلال الفتنة. تختلف اللغة والأشخاص والسياسات، لكن يبقى الهدف نفسه؛ السيطرة على المنطقة العربية كونها مرحلة من السيطرة على العالم. نحن لسنا من المأخوذين بعقلية المؤامرة، لكنها فعلاً المؤامرة الشيطانية الصهيونية.
وبلغة السياسة، من يصدق أن الانقلاب الكبير، الذي حدث في تركيا كان عفوياً؟ كيف يتخلى الغرب عن العسكر ورثة وحماة الأتاتوركية، ويسلم خاصرته الشرقية للإسلاميين بزعامة غول وأردوغان؟ لقد كان تسليم الحكم لحزب إسلامي يهدف إلى نفخ الوازع الديني لدى الأتراك إلى أقصى مدى، ثم تفريغه كما يحصل الآن بإثارة ما يسمى فضيحة الفساد الكبرى ضد إردوغان. وستتم إطاحة حكم الإسلاميين قريباً، حيث إن الجيش الأتاتوركي يراقب ويتحفز، إضافة إلى الدور الذي قام به إسلاميو تركيا في ما سمي الربيع العربي، وقد رأينا أي ربيع أصفر هذا. أليس ما يجري في تركيا الآن هو نفسه ما جرى في مصر، وقبله في غزة، وبصورة أخرى في تونس والعراق.. ومن يدري أين بعد؟!
لنقرأ التاريخ جيداً، فالتاريخ الصحيح أكثر صدقاً من وعود الغرب، وأشجع من بعض العرب.